يُعرف اقتصاد تركيا كسوق ناشئة من قبل صندوق النقد الدولي، ومتطورة بشكل كبير، مما يجعلها واحدة من الدول الصناعية الجديدة، ومن بين أبرز المنتجين للمنتجات الزراعية في العالم، بالإضافة للمنسوجات والسيارات والسفن، وغيرها من معدات النقل، ومواد البناء، والإلكترونيات الاستهلاكية والأجهزة المنزلية.

ففي السنوات الأخيرة شهدت تركيا نموًا سريعًا في القطاع الخاص، إلا أن الدولة لم تزل تلعب دورًا رئيسًا في الصناعة والأعمال المصرفية، والنقل والاتصالات.

 تقييم الاقتصاد التركي ما بين (2014-2015):

بلغت نسبة نمو الاقتصاد التركي العام خلال عام 2015  حوالي 4% ، وسرعة نمو الاقتصاد التركي في الربع الأخير من نفس السنة  وصلت إلى 5.7%.

حقّق الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2015 زيادة بنسبة 4 % في الأسعار الثابتة مقارنة بعام 2014، لتصل القيمة الإجمالية للناتج المحلي في 2015 إلى 131 مليار و289 مليون ليرة تركية.

وفي الأسعار الجارية، حقّق الناتج المحلي الإجمالي زيادة وصلت إلى 11.7 %، وبلغت القيمة الإجمالية تريليون و953 مليارا و561 مليون ليرة تركية.

أما نسبة بيع العقارات العامة بتركيا في عام 2015 ارتفعت بنسبة 10% مقارنة بإحصاءات عام 2014، إذ وصل حجم بيع العقارات خلال عام 2015 إلى مليون و289320 عقارًا. وبلغت حصة الأجانب منها 22 ألفًا و830 عقارًا، وبذلك يكون العدد ارتفع مقارنة بعام 2014 بنسبة  20.4%.

وشهدت القيمة المضافة لقطاع الزراعة خلال عام 2015 زيادة بنسبة 7.6 % في الأسعار الثابتة 11 مليار و926 مليون ليرة، و19 % في الأسعار الجارية 148 مليار 288 مليون ليرة تركية، وذلك مقارنة بعام2014.

أما بخصوص قطاع الصناعة، فقد طرأت زيادة على القيمة المضافة لفعاليات هذا القطاع خلال عام 2015 بنسبة 3.3 % في الأسعار الثابتة – 42 مليار و889 مليون ليرة – و8.5 % في الأسعار الجارية -457 مليار 340 مليون ليرة تركية- مقارنة بعام  2014.

وحقّقت القيمة المضافة لقطاع الخدمات خلال عام 2015 زيادة في الأسعار الثابتة بنسبة 4.8 % – 78 مليار و257 مليون ليرة تركية- وفي الأسعار الجارية بنسبة 11 % – ترليون و120 مليار و756 مليون ليرة تركية.

وبناءً على ما سبق، فقد بلغ نصيب الفرد الواحد من الناتج الإجمالي المحلي خلال سنة 2015 فيما يخص الأسعار الجارية 25 ألفًا و130 ليرة تركية ما يعادل 9 آلاف و261 دولارًا أمريكيًا، فيما كان نصيب الفرد الواحد من الناتج الإجمالي المحلي في عام 2014 بحدود 22 ألفًا و732 ليرة تركية – 10 آلاف و395 دولارًا أمريكيًا.

التحديات الكبرى للاقتصاد التركي

إن الحديث عن الاقتصاد التركي خلال عام 2016 تفرض قضاياه الواقع الاقتصادي على مستوى الحكومة التركية، وأهم القضايا التي يتوقع لها أن تشكل أجندة الحياة الاقتصادية بتركيا خلال العام الحالي:

أزمة الطاقة

لا تخفى أزمة الطاقة التي تعاني منها تركيا على أحد؛ فتركيا مرتبطة بمعاهدات دولية حتى عام 2023، وغير قادرة على التنقيب واستخراج الموارد الطبيعية المدفونة في أراضيها، لذلك تستورد ما يقرب من 90.5% من النفط و98.5% من الغاز الطبيعي.

تعد روسيا مصدر الطاقة الرئيس لتركيا؛ إذ تزودها بـ 55% من احتياجاتها من الغاز و30% من احتياجاتها النفطية، وبعد إسقاط الجيش التركي لطائرة «السوخوي» على الحدود السورية في 24 نوفمبر الماضي أعلنت موسكو سلسة من العقوبات الاقتصادية ضد أنقرة، تشمل قطاع السياحة والزراعة، ووقف أعمال اللجنة الاقتصادية المكلفة بالتفاوض على خط «تورك ستريم» علمًا أنه لم يبدأ بعد؛ لعدم تلبية الطلبات التركية من قِبل الروس.

وحتى الساعة لم تُفرض أي أعمال انتقامية على قطاع الطاقة من قِبل روسيا، إلا أن تركيا احترزت من خطوة كهذه بإيجاد مصادر أخرى في قطر وأذربيجان، وقد وقعت معهما 16 اتفاقية، أهم بنودها: استيراد الغاز المسال القطري وتخزينه في تركيا، هذه بدائل في حال قطع إمدادات الغاز من قِبل روسيا، وقد حصلت تركيا على خصم 40% من الغاز الطبيعي الذي ستستورده من أذربيجان.

و هذا يضع تركيا في موقع استراتيجي مهم إقليميًا لتوزيع الغاز الأذربيجاني إلى أوروبا، إذ سيوصل الغاز من أذربيجان مارًا بتركيا إلى اليونان وبلغاريا ليصل إلى أوروبا بتكلفة تقدر بـ 45 -47 مليار دولار، ومن المتوقع أن تبدأ إمدادات الغاز الأذري إلى أوروبا عام 2020 بحجم 10 مليارات متر مكعب و6 مليار متر مكعب إلى مناطق غرب تركيا.

تسعى تركيا الى الخفض من الغاز البترولي المسال المستورد من روسيا بنسبة 25% هذا العام؛ بهدف خفض وارداتها من روسيا، ومن الممكن أن تستعيض تركيا فيه بالنفط من نيجيريا والولايات المتحدة والسعودية والجزائر.

كما تسعى لاستبدال 16.45 مليار دولار ثمن واردات الطاقة من روسيا بإقامة محطات لتوليد الطاقة باستخدام محطات الطاقة الشمسية والمولدات الهوائية باستثمارات تصل إلى 10 مليار دولار.

وبهذا فإن تركيا تحاول تنويع مصادرها الطاقوية من النفط والغاز، والانعتاق من الروس بشكل أكبر.

أزمة النمو

شهدت تركيا تفجيرات عدّة هددت مستوى الأمان في عموم البلاد، وهذا مما  أثر على قطاع السياحة والاستثمارت الأجنبية، إلا أنّ فوز العدالة والتنمية في جولة شكل منعطفًا مهمًا على الساحة السياسية والاقتصادية في تركيا؛ إذ انتهت غمامة عدم الاستقرار الذي كان يشوب المشهد السياسي في البلاد، وتعزز شعور المستثمرين الأجانب بالاقتصاد التركي الذي أبهرهم بتحقيق معدلات نمو مرتفعة، إذ حقق الاقتصاد التركي نموًا في الربع الثالث من 2015 أكثر بنسبة   4%.

كما تعمل على إلغاء العقبات المفروضة أمام الصادرات والواردات؛ إذ سيتم تطوير النظام البيروقراطي الذي تعاني منه تركيا؛ بهدف جلب المزيد من الاستثمارات، وتعزيزها في الأراضي التركية؛ إذ من المتوقع أن تتجاوز الصادرات التركية مع نهاية هذا العام إلى أكثر من 150 مليار دولار، على الرغم من كل المشاكل والعقبات التي واجهتها البلاد، وفي ظل المعطيات الحالية من المتوقع أن ترتفع الصادرات إلى 200 مليار دولار. وفي العام المقبل ستفتتح تركيا ثاني أطول نفق في العالم يربط بين ولايتي «أرضروم» و«ريزه» التركيتين قُدّرت نفقته  719 مليون ليرة تركية.

الانضمام للاتحاد الأوروبي

شهد ملف انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي انفراجًا كان آخرها اجتماعا في 14 ديسمبر؛ لفتح فصل رقم 17 «السياسات الاقتصادية والنقدية»، هو من فصول مفاوضات عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي الذي يهدف إلى بناء بنية اقتصادية قوية وتقوية التنسيق الاقتصادي بين دول الاتحاد؛ إذ إن وتيرة المفاوضات ارتفعت بين تركيا والاتحاد الأوروبي في الآونة الأخيرة على خلفية أزمة تدفق اللاجئين السوريين نحو بلدان أوروبا الغربية.

تم فتح 14 فصل من أصل 33 فصلًا تفاوضيًا حتى اليوم؛ ففتح الفصل 17 له دلالة كبيرة لتركيا؛ إذ يعد مؤشرًا مهمًا لمستوى الانسجام العالي الذي حقته في مجال التفاوض مع دول المفوضية الأوروبية، وهذا ما يدفع تركيا لتقدم في مفاوضاتها العام المقبل بسرعة مرضية بفضل هذا المستوى من الانسجام.

الليرة التركية

شهدت الليرة التركية خلال عام 2015 انخفاضًا في قيمتها أمام الدولار الأمريكي في سلسلة غير مسبوقة من الانخفاضات منذ عام 1999، وحقق سعر صرف الدولار أمام الليرة تراجعًا قياسيًا بلغ 3.07 وتعود أسباب هذا الانخفاض إلى عدم الاستقرار الأمني؛ بسبب سلسلة الانفجارات التي شهدتها البلاد وعدم الاستقرار السياسي.

رفع الفائدة الأمريكية إلى نطاق 0.25 – 0.5 % ، علمًا أن تركيا كانت أحد أكثر المستفيدين من خفض سعر الفائدة الأمريكية إلى ما يقارب الصفر في عام 2008 ؛ إذ تدفقت الاستثمارات الأجنبية إلى تركيا بشكل هائل وحقق الاقتصاد التركي نموًا عاليًا.

إلا أن الأثر سيكون محدودًا ما دام سعر الفائدة بقيمة منخفضة لذلك من المستبعد أن تشهد تركيا هذا العام سحوبات استثمارية منها؛ لأن سعر الفائدة لايزال منخفضًا، ولكن من غير المتوقع أن تعود الليرة التركية إلى مستوياتها السابقة عند مستوى 2 ليرة مقابل الدولار؛ وذلك بسب تأثيره على ارتفاع تكلفة سلعها بالنسبة للمستورد، وعليه في ظل ارتفاع سعر الفائدة الأمريكية أكثر مستقبلًا، فإنه من المتوقع أن تشهد الليرة خفضًا متعمدًا أكثر في سبيل تشجيع صادراتها.

النظرة المستقبلية

ستسعى حكومة «أوغلو» أن لا يمرّ عام 2016  كما مرّ عام 2015 ؛ فهي تعمل على تنويع مصادر الطاقة بشكل فعال واستبدال بجزء من الواردات الطاقة البديلة المولّدة من الرياح والشمس، والتركيز على بناء قدراتها الإنتاجية المحلية أكثر، دون الاعتماد على الخارج، والارتهان باستثمارات أجنبية همها الربح، دون المصلحة الوطنية.

فمعدلات النمو في تحسن ومؤشرات الاستثمار متفائلة، و تسعى الحكومة التركية لتعزيزها من خلال منح قروض بلا فائدة للشباب الأتراك، وفتح خطوط إنتاجية أخرى، مثل إنتاج طائرات ركاب خاصة، وإطلاق قمر فضائي، ومشاريع في البنية التحتية تحقق معدلات عالية من التوظيف والنمو.

يواجه قطاع السياحة في تركيا واقتصادها الأوسع صعوبات من جراء تفجيرات انتحارية. وأظهرت بيانات من وزارة السياحة أن إجمالي عدد السياح الذين زاروا تركيا عام 2015 انخفض بـ 1.6 %، لكن الدلائل غير مبشرة قبل ذروة الموسم السياحي من أيار (مايو) إلى تشرين الأول (أكتوبر) وهى الفترة التي تجني فيها تركيا في العادة نحو 70 % من إيراداتها السياحية، فالتراجع في قطاع السياحة ربما يؤثر في الاقتصاد الأوسع؛ إذ تراجع الإيرادات بنحو ثمانية مليارات دولار سيمحو ما يزيد على نصف نقطة مئوية من النمو الاقتصادي الذي تستهدفه الحكومة التركية هذا العام والبالغ 4.5 %.

ومع مساهمة السياحة بأكثر من نصف الإيرادات في ميزان المعاملات الجارية فإن هذا سيؤذن أيضا بمتاعب لآمال البنك المركزي في إمكانية خفض العجز الذي بلغ 4.5 % من الناتج المحلي الإجمالي في 2015 ، والمستثمرون الأجانب سيبدون أكثر حذرا بكثير في مجيئهم إلى تركيا؛ من أجل سلامتهم، وعلى مستوى مساهماتهم، يتوقع انعكاسات على الاقتصاد التركي.

إن الاقتصاد التركي ما يزال صامدًا؛ بسبب خطط الحكومة، وعوامل خاصة بالسوق المحلية، رغم التحديات الكبيرة التي تجابهه تزامنًا مع تصاعد الأزمات في المنطقة، وتجدّد العمليات العسكرية، وسلسلة التفجيرات التي طالت عدة مدن تركية، أبرزها أنقرة وإسطنبول.

وينعكس هذا على البورصة؛ إذ خالفت التوقعات وارتفعت عقب تفجيري أنقرة وإسطنبول؛ فقد أغلقت قبل تفجير أنقرة الأخير على مستوى  79380 نقطة لتفتح تعاملاتها بعد يوم على الانفجار بمستوى 80110 نقاط.

كما تكرر الأمر بعد تفجير إسطنبول الأخير؛ إذ أنهت البورصة تعاملاتها قبل التفجير بمستوى 82943 نقطة، ثم بدأت التداول في اليوم التالي بمستوى 83402 نقطة. فهذه الأرقام تؤكد عدم اهتزاز ثقة المستثمرين، إلاجانب بتركيا، والذين يشكلون نسبة تتجاوز 60 % بالبورصة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد