يبدو أن الأيام والأحداث تستدرجنا جميعًا لتؤكد مفارقة عجيبة كانت ومازالت بادية للعيان؛ خصوصية الحالة باتت تتحول إلى عموم الظاهرة في الحوارات السياسية الصاخبة بين الإسلاميين ومعارضيهم.

الانتخابات التركية سارت بنا في نفس الاتجاه، وأرسلت رسالة بليغة في نفس المنحى والمضمون.

الصراع كان شرسًا بين الإسلاميين وحلفائهم من جهة، في مقابل معارضة لم تجتمع على شيء، إلا على كراهيتهم ومواجهة وجودهم ومشروعهم.

الطيب أردوغان ورفاقه استفادوا من تحولات المشهد التركي الآني الذي شاركوا في صنعه، فالمعركة هناك كانت معركة صندوق مُجَرَّد، والملعب مخطط على أسس الديمقراطية وفقط، بعد أن أصبح تدخل الجيش في السياسة التركية شيئًا من الماضي البعيد البغيض.

وعلى الرغم من تباينات عميقة في البيئة والواقع، لكن المفارقة أننا نكاد نرى نفس المشهد في المنطقة والعالم الإسلامي؛ إذ المنافسة بين مشروع وطني للنهضة والتنمية يتبناه الإسلاميون ويدافعون عنه بأسس ديمقراطية، ولا مشروع.. اللهم إلا هدم الإسلاميين ومواجهتهم يتبناه معارضوهم، ويتترسون بدعم خارجي من كل حدب وصب.

الانتصار الذي تحقق لأردوغان وتحالف حزبه يعني استكمال مشروع تركيا الحديثة القوية الذي بدأه، والوصول بتركيا لتكون من الـ10 دول الأكبر اقتصاديًا في العالم، بعدما انتشلها من التأخر والتخلف ترتيبًا ووصل بها إلى إحدى الدول الـ20 الأقوى اقتصادًا في العالم، فضلًا عن أهداف أخرى سياسية واجتماعية وعسكرية.

ماذا لو انتصرت المعارضة ؟ ماذا كانت ملامح مشروعها إذًا؟

هل كانت تنوي إعادة الجيش إلى السياسة صدارةً وهيمنة؟ أم طرد السوريين وترك الغرب يتمدد في خاصرة تركيا الجنوبية ومحيط أمنها القومي الخطر؟

هل كانت تستهدف حميمية العلاقات مع إسرائيل باعتبار ذلك هو الطريق إلى قلب أمريكا وأوروبا؟ هل بذلك كانوا سيدخلون بتركيا الاتحاد الأوروبي؟ ومن أي باب كانوا سيدخلونها؟

الرسالة الجادة التي اتضحت من الانتخابات التركية أكدت أن الإسلاميين ينطلقون من ثلاثية محترمة وجديرة بالفوز؛ الديمقراطية ومصالح بلادهم الاقتصادية والسياسية وكرامة شعوبهم.

على الجانب الآخر معظم الممارسات السياسية في الحالة التركية وفي محيطنا الكبير تصل بنا إلى نفس النتيجة وتؤكد نفس الرسالة: أن الاجتماع على عدواة الإسلاميين وتجاوز الديمقراطية والتماهي مع الاستبداد والعمالة للخارج ليست جينًا خالصًا للمعارضة العربية فحسب.

الدعم اللامحدود الذي قدمه الغرب لمعارضي الإسلاميين هنا وهناك والمراهنة عليهم والاستثمار فيهم، يؤكد أن الغرب يعتبرهم حصان طروادة في حصار العملاق الإسلامي وكبح جماح رغبة دولنا والمنطقة في التمرد على الاستغلال الغربي وانتهازية الاستعمار في وجهه الجديد.

المنطقة العربية التي تفتقد إلى مشروع نهضوي يمثلها من أي ناحية، كان على قادتها أن يدعموا المشروع التركي كمقاوم لمشاريع أخرى أشد نهمًا وأشد شراسة، خاصة وهي تستعد لهزيمة مدوية في مقابلة غير متكافئة مع المشروع الفارسي.

الأنظمة العربية حشرت أنفها في الانتخابات التركية وفي الداخل التركي تمويلًا وتآمرًا، فلا هي اختارت الديمقراطية ودعمت خيار وإرادة المواطن التركي، ولا هي دعمت القومية وحب الأوطان والدفاع عنها وعن مقدراتها وثرواتها، بل أزهقت أموالها وجنت حسراتها كأداة ويد لمشروع صهيوني لا يريد لتركيا وشعبها وقادتها، إلا الفشل والخسار.

المفارقة العجيبة أن أردوغان يدافع عن تركيا وشعبها ومقدراتها، وأعداؤه من غير العرب يحاربونه دفاعًا عن مصالحهم ومستقبل بلادهم، بيد أن النكتة الأشد كارثية هي في موقف أعدائه من العرب؛ عن ماذا يدافعون؟

مفارقة أخرى أصابت الشعوب بالدوار؛ فالإسلاميون الذين لم يخذلوهم يومًا، ولم يسرقوهم ساعة، ولم يفرطوا في الأرض، ولم يعتدوا على عرض، ولم يعرضوا للشعوب في كرامتها أو عزتها، مع ذلك يعاديهم العالم ويحاربهم أمريكا والاتحاد الأوروبي وكل أدعياء المبادئ من الديمقراطية وحقوق الإنسان، وفي نفس الوقت يدعمون بكل وسيلة اللصوص وتجار قوت الشعوب وسُراق المال العام وسدنة الاستبداد وخونة الأوطان والمتاجرين بشرف الشعوب وكرامتها، فهؤلاء ترحب بهم المؤسسات الدولية وقادة العالم ويفرش لهم السجاد الأحمر ويُحتفى بهم في كل صعيد!

معارضو أردوغان في تركيا وكثير من معارضي الإسلاميين في أوطاننا وقفوا هذا الموقف وهم يعلمون أنهم يمثلون الغرب بأكثر مما يمثلون شعوبهم وأوطانهم.

هؤلاء انحسرت خياراتهم في محاربة نجاح مشروع وطني تقدمي بإصرار وترصد، من غير مبالاة أن تهدر مقدرات الوطن طالما سيتصدرون المشهد، وتمتلئ جيوبهم من المال الحرام، ولا بأس حتى لو لعنتهم الشعوب غدًا أو بعد حين!

ماذا انتظر هؤلاء المعارضون من الداعمين الخارجيين، سواء الاتحاد الأوروبي أو أمريكا أو أذيالهم من أنظمة العرب الخائبة العميلة؟

هل كانوا متوقعين سذاجة أو غفلة أن الغرب سيدعم مشروعًا وطنيًا في دولنا؟

هل ما يقدمه الأوربيون والأمريكان وغيرهم من دعم مادي ومعنوي وإعلامي وسياسي سيستمر بعد هدم الحاضر لبناء مستقبل؟ أم كما حدث في مصر هدموا أول تجربة ديمقراطية وداسوا إرادة الشعب، ثم تركوها شبه دولة، وربما أهون من ذلك!

تشابه آخر في المرتكز هنا وهناك؛ إذ أقامت المعارضة استراتيجيتها إذًا على دعم خارجي ودعاية سوداء ورسالة إعلامية تسعى للتضليل وتسويق الوهم والكذب، وهي بالضرورة بضاعة كل فاشل وفلسفة كل بليد تستهدف بالضرورة البسطاء وقليلي الوعي.

هي إذًا معادلة معارضة العمالة والسوء في أوطاننا حين يكون الاستثمار في الجهل وتجييش البسطاء والعامة واستغلال المغيبين والعامة والدهماء في مواجهة مصالح الوطن والشعب والجماهير.

في كل الأحوال انتهت انتخابات تركيا وانتهت معها حلقة من حلقات الصراع بين المشروع الوطني وبين مشاريع العمالة للخارج، وانتصر فيها الوعي والوطنية على التضليل والعمالة، انتصر مشروع الاستقرار في تركيا ولا عزاء للخونة.

اعتراف واجب؛ قد لا يكون من الصواب المطلق الاستسلام لحقائق واقعنا فنتورط في إشكالية مخطئة، وهي قصر الوطنية أو الديمقراطية على الإسلاميين دون سواهم، لذا فمن الواجب ألا نتجاوز قوافل محترمة من السياسيين يقفون في نفس معسكر الإسلاميين دعمًا للمشروع الوطني واستمساكًا باحترام الديمقراطية وفاءً لمبادئهم وأخلاقهم.

وأخيرًا.. لاتزال أسئلة عميقة تملأ الفضاء من حولنا..

أسئلة التفاؤل مطروحة في الفضاء التركي.. ماذا سيقدم أردوغان لتركيا وقد منحه الأتراك تفويضًا لخمس سنوات قادمة! وأين ستصل تركيا العدالة والتنمية تقدمًا ورفعة؟! وماذا سيحصد السلطان العثماني إن أبقته الأقدار للانتخابات القادمة في 2023؟

وبقي لنا سؤال العار والأمل: هل سيبقى الحقد والتآمر العربي – طوال هذه الفترة أم أن دائرة ما ستدور على أنظمتنا الخائنة الحقودة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك