عام 1923، أُعلنت الجمهورية التركية وأصبح «مصطفى كمال أتاتورك» أوّل رئيس لها، فسياسته القومية المعتمدة على شعار «أيها المواطن تكلم التركية» و«هنيئًا لمن يقول أنا تركي» عُدت سياسة إنكار واسعة للهوية الكردية بما تعنيه من ثقافة ولغة وحقوق مختلفة مؤسسًا، بذلك نهج دولة تعتبر الجميع فيها ينتمون للأمة التركية بمعناها العرقي وليس فقط بمعناها الجغرافي السياسي المتمثل بالجمهورية التركية. (1)

قام الشعب الكردي بـ17 انتفاضة بين عامي 1925 – 1938، ولعل من أهم تلك الانتفاضات، انتفاضة الشيخ سعيد النورسي عام 1925، وانتفاضة آرارات عام 1930، وانتفاضة ديرسيم ما بين عامي 1936-1938. وقد كانت هذه الانتفاضات مزيجًا من الدوافع القومية وأخرى ذات طابع إسلامي ضد سياسات الدولة التركية العلمانية.

بدأ كمال أتاتورك ما يعرف بالتوطين للأكراد والذي نتج عنه تفاقم الأزمة وشعور الأكراد بأن الدولة تقصد تجاهل هويتهم بعد نقد ما يعرف بمعاهدة سيفر والتي رأت بريطانيا أن الاتحاد بين أكراد العراق وتركيا سيضر بمصالحها في المنطقة خلق ذلك الانتفاضات والأولى التي تم إخمادها بعد جمع كمال أتاتورك الجنود وتم قمع الأكراد وإعدام زعيم الانتفاضة في ذلك الوقت وهو الشيخ سعيد النورسي وتم قمع جميع الانتفاضات فأصبحت الدولة وسيلة قمعية للأكراد.

بعد وفاة أتاتورك استمرت نفس المعاملة من قمع الأكراد وتم استخدام الأعيان منهم ودمجهم في المجتمع واستخدام المصطلحات لإطلاقها على الأكراد كالسكان الشرقيين مما أحس الأكراد فيه بطمس لهويتهم حتى جاءت فترة السبعينيات وهنا ظهرت الحركات اليسارية والماركسية التي لجأ إليها الشباب الكردي لاستثمارها وعرض قضيتهم من خلالها وإنشاء حزب العمال الكردستاني الذي كان بمثابة نقطة تحول في سياسة الأكراد للظهور بعيدًا عن بطش الدولة والقمع وبدأ الحزب ينال تأييدًا من دول خارجية على علاقة توتر مع تركيا وبدأ بدعوة القرى لحماية نفسها والالتحام مع عناصر الجيش والأمن التركي.

الأكراد وحزب العدالة والتنمية

بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2002، لم يتغير التعاطي الأمني العسكري مع المسألة الكردية، وتحديداً في الدورة البرلمانية 2002 – 2007 وذلك للأسباب الآتية:

أولًا: فضلت حكومة العدالة والتنمية تجنب صدام مبكر مع المؤسسة العسكرية وبعض الأحزاب المعارضة، ولا سيما حزب الحركة القومية المعروف بتطرفه وتصلبه تجاه المسألة الكردية.

ثانيًا: لم تكن حكومة العدالة والتنمية تمتلك أغلبية برلمانية كافية لتشكيل الحكومة بمفردها.

ثالثًا: الخلاف المستمر مع رئاسة الجمهورية ممثلة برئيس الجمهورية السابق أحمد نجدت سيزار، المعروف بأفكاره «الكمالية» خلال المدة الممتدة من 2002 إلى 2007، حيث أضحت الرئاسة، بالنسبة إلى العلمانيين، سورًا منيعًا في وجه حكومة العدالة والتنمية.

رابعًا: تداعيات العدوان ثم الاحتلال الأمريكي للعراق في 9 أبريل (نيسان) عام 2003، وانتقال العراق من الصيغة الوحدوية إلى الصيغة الفيدرالية، وظهور كيان كردي في شمالي العراق (كردستان العراق)، وتمركز مقاتلي حزب العمال الكردستاني فيه، وهي تطورات سلبية رأت حكومة العدالة والتنمية أنّها تهدد أمنها القومي.

بدأ حزب العدالة والتنمية المفاوضات الأولى مع الأكراد والتي انتهت بالفشل وهي مفاوضات أوسلو والتي كانت بين رئيس المخابرات التركية حاقان فيدان وعبد الله أوجلان في النرويج ثم بدأت مفاوضات «إيمريلي»  والتي كانت في نهاية عام 2012 بين رئيس المخابرات العامة وعبد الله أوجلان لتأخذ الطابع الرسمي وحتى لا تنظر المعارضة التركية أن من يقوم بالمفاوضات هي الحكومة بل الدولة التركية وبالفعل بدأت هذه المفاوضات بتدعيم بعض قرارات من الجانبين وبدأت تخلق روحًا من التوافق لأول مرة بين الحكومة والأكراد ولكن هناك تحديات كبيرة تواجه هذه العلاقات.

1- هو التحدي الاقتصادي لابد وأن تستمر تركيا في النضال الذي بدأته على يد حكومة العدالة والتنمية لتضع تركيا عند عام 2023 أعظم عشرة دول بالعالم وبذلك تكون قد حققت بيئة مناسبة للأكراد مقارنة بالجيران.

2- التحدي الجغرافي لابد من إزالة الحواجز التي عملت على تمركز الأكراد في الشرق وإذابتهم في المجتمع الكردي أكثر من حيث المناطق وتسكين بعض الأكراد في العاصمة وغيرها لتطبيعهم.

3- التحدي الثقافي لابد وأن تنشر تركيا للأكراد ثقافة الأمة الواحدة وذلك بتقديم أبطال الكرد والاعتراف بهم وكيف ساعدوا في قيام الدولة التركية وإزالة الاحتقان القائم بين الأتراك والأكراد.

4- التحدي السياسي في الآونة الأخيرة، تقوم الدولة التركية بقصف المناطق الكردية في سوريا وهذا يعمل على وجود بيئة خصبة للمهاجمة من ناحية أكراد تركيا لانتمائهم العرقي للأكراد بالتالي لابد أن توضع استراتيجيات محددة وسريعة لاحتواء الجيران وذلك للتنسيق بينهم بشأن الأكراد.

5- التحدي الزمني، لا يفصلنا سوى شهور أو سنين قليلة على انفصال كامل لكردستان العراق حسب ما يرد من جميع السياسيين أو القادة والملفات التي يتم الكشف عنها مجددا في ذلك وبالتالي لا بد من سرعة الدولة التركية في احتواء الأكراد.

6- التحدي الأخير هو وضع سياسة للتعامل مع الأكراد في حالة تغيير الحكومة الحالية حكومة التنمية والعدالة وهي سياسات طويلة الأجل.

هناك الكثير من التحديات من ضمن هذه الحواجز التي ظهرت مؤخرًا ما يسمى بالدولة الكردية بمباركة العديد من الدول، إسرائيل تسعى لإقامة دولة للأكراد، إيران من الممكن الوقوف بجوار تركيا لتحدي قطع التواصل مع سوريا وحزب الله، سوريا لم تحدد موقفها إزاء الأكراد، الاتحاد الأوروبي يريد أن يرى الحلول السياسية واستقرار تركيا لأنها بوابة الاتحاد.

كلما مكنت الدولة التركية الأكراد بممارسة حقوقهم وترجمتها سياسيًا واقتصاديا واجتماعيا وحرية التعبير في إطار الدولة، زادت قوتها، فعلى المستوى الداخلي تكون الدولة التركية في حالة مناعة داخلية تجاه أية محاولات لزعزعة استقرارها الداخلي، وأن أي نزاع قد يحدث يعالج في إطار الدستور والقانون أما على المستوى الخارجي يعد تمكينها للأكراد مصدر قوة لها ورصيدًا لها يخدم سياساتها الخارجية، ويساعد على تعظيم مصالحها الوطنية من جهة، ويعزز من مكانتها على الصعيد العلاقات الدولية من جهة أخرى. وفي هذه الحالة تطرح الدولة التركية ذاتها على الصعيد الخارجي باعتبارها دولة نموذجًا في مجال التعايش السلمي والتفاعل الإيجابي بين الهويات المختلفة، هل تستطيع تركيا ذلك؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

محمد نور الدين، الأقليات في تركيا، مصدر سابق، ص271
عرض التعليقات
تحميل المزيد