أخبرونا دائما بقصة الغزالة التي تؤكل مع أنها أسرع من الأسد فقط لأنها “تلتفت”. ولكن تخيل معي كيف ستعرف الغزالة أن الأسد توقف عن ملاحقتها؟ لو أن الغزالة لم تلتفت لواصلت الفرار من اللاشيء وأنهكت قواها و أضاعت عمرها في الهرب من أسد لا يطاردها!

هناك فرصة للأسد على الغزالة إن التفتت ولكن أيضًا الغزالة تحتاج أن تلتفت كل فترة لتقيم وضعها وتوفر مجهودها في غابة ربما تحتاج أيامًا لتجد الغذاء وتعوض ذاك المجهود، لو أنها لم تلتفت ربما تنجو من الأسد ولكنها قد تموت من الجوع!

للأسف تعلمنا هذا الدرس في الصغر جيدا وتعلمنا أن ثمة أسدًا ما يعدو نحونا وأن علينا أن نجري، لا يهم إلى أين فقط لا نلتفت ولا نتوقف ولا نفكر ! فالقطيع يجري من هنا فالتزم به، والأسد على ربوته العالية يتابعنا مستغربا ضاحكا!

لكن الأسد لم يستغرب أو يضحك فقط بل نظم مجهوده كي يقودك إلى حتفك مغمض العينين، فدعني أخبرك عن ألاعيب الأسد التي لم تلتفت لها.

 

١المطاردة

يطاردك الأسد أحيانا ليستخدمك مثل أن يطاردك بالفقر فتهرع للعمل لديه في شركاته ومصانعه ولا تلتفت إلى أن تحمي نفسك ماليا. يطاردك بالجهل فتهرع إلى أن تدرس وتحصل شهادات معتمدة فقط من الأسد لأنك من دونها تصبح “غير مؤهل”، يطاردك الأسد بالتخلف ويضعك في خانة “نامٍ ويحتاج إلى التنمية” فتهرع إليه لأنك بالطبع تخشى أن تهلك دون تنمية!

وهناك أسد آخر قد يطارد المرأة في المنزل، يطاردها بضعفها واحتياجها الدائم لـ”ظل حائط” أو “أنثى أسد” تطارد الرجل بحرمانه من أنوثتها أو من أولاده أو الخوف من أهلها والمجتمع.

دائما ما يجد الأسد شيئا أو أشياء يطارد بها غزلانه كي لا تلتفت إليه. فقط تهرب.

 

٢الحلم والنجاح

الحلم أن تصبح في جوار الأسد، أن يكرمك الأسد، ولهذا يجب أن تقوم المسابقات وتحتد المنافسة بينك وبين أخيك على المركز الأول فالأسد لا يعبأ بصاحب المركز الثاني.

لابد أن تصبح من الأوائل في الدراسة وتعبر امتحاناتها التي تساوي بينك وبين الآلاف، فالأسد لا يقتنع سوى بنظامه الخاص أما ثقافتك وتاريخك وموهبتك فلا تعنيه، لابد أن تفوز بالكأس فإن هزمت في مباراة تخسر كل شيء وتذهب أنت ومجهودك ووقتك وتدريباتك وحياتك للجحيم والنسيان، هكذا يصبح الأسد أسدًا عندما تخسر أخاك من أجله أو فلنقل من أجل الحلم والنجاح الذي أقنعك به الأسد.

يغريك الأسد أحيانا باستقرار ومميزات الزواج لتعيش هائما تحلم بالزواج، تعمل للزواج ولا ترى سوى ذلك الحلم الذي هو من أبسط حقوقك وغيرها من الأحلام التي تمنعك من الالتفات لأي شيء.

التفات الغزالة في ظاهره يعني هلاكها، ولكنه في الحقيقة هو هلاك الأسد ولهذا الملتفتون يكرههم الأسد.

دائما هناك أسد أو أسود تقودك إلى الهلاك وتعتمد أنك لا تلتفت.

دائما ما أرى هجوما شديدا على الشباب الذي اختار أن يؤسس شركته الخاصة، أو أن يؤلف كتابًا، أو أن يصبح مدربًا للتنمية البشرية، أو أن يصنع أكبر طبق للكشري في العالم. في النهاية وبغض النظر عن نجاح هذه التجارب أو فشلها، هي التفاتات من أصحابها، التفاتات تؤخرهم عن السباق الذي نظمه الأسد وتقربهم من الهلاك الذي يطاردهم به الأسد ولكن…

تلك الالتفاتات قد تساعد أصحابها في الوصول إلى حقيقة شغفهم وموهبتهم، وأن يرسم كل منهم طريقه نحو حلمه هو وليس الحلم الذي أعده الأسد له ولآلاف وملايين غيره. حينها لن يستطيع أي أسد أن يعاقبهم على تلك الالتفاتات بل لن يستطيع أي أسد أن يقف في وجه التفاتاتهم.

إن لم تقتنع إلى الآن فدعني أحكِ لك قصة حقيقيه عن غزالة التفتت حتى وصلت، التفاحة آبل وصاحبها الغزال ستيف جوبز، لم يكن أسرع غزال في سباق الأسد، والأدهى أنه لم يعترف بسباق الأسد وتركه من أول مئة متر! الآن الأسد يحاول فقط أن يقنع التفاحة آبل أن تعطيه قضمة صغيرة جدا وهي تضع شروطها وترفض وهو يقف أمامها مكتوف الأيدي!

هل تريد قصصًا أخرى لغزالة التفتت ثم وصلت ثم هزمت الأسد؟! أعتقد أنك تعرف قصصًا كثيرة والآن يجب عليك أن تبدأ في الالتفات. لا تتوقف عن الجري والسعي، استعد للأسد واجرِ بسرعة وراوغ واهرب واهجم ولكن لا تتوقف أيضًا عن الالتفات.

أنا لا أطلب منك ألا تتعلم أو ألا تعمل أو أن ترفض كل شيء بالكلية، ولكن أطلب منك ألا تطلب العلم والعمل والسعادة فقط من الأسد وأن تلتفت إلى ما تحب، وأن تبني طريقك بمحاذاة ما تحب لأن السعادة للغزالة لم ولن تكون مع الأسد.

في القصة التي وضعها الأسد في مناهجه أخبرنا أن الملتفت لا يصل، ولكن عندما التفتُّ لأول مرة – وكنت مرعوبا – اكتشفت أني لن أصل حتى ألتفت!

 

———————

 

لمن لم يفهم قصة آبل أو لا يتابع الأخبار فقد قام شخص بعمل إرهابي ووقع هاتفه المحمول آيفون في يد أجهزة الأمن الأمريكية، ولكنه مغلق بشفرة تقوم بمسح البيانات تلقائيا إن أدخل الكود بشكل خاطئ عدة مرات، فذهبت أجهزة الأمن لشركة آبل لفك الشفرة ولكن آبل رفضت وقررت حماية مستخدميها وعملائها. والآن رئيس شركة Apple ورئيس الولايات المتحدة الأمريكية أكبر دولة في العالم يتعاملان رأسًا برأس، الغزالة الملتفتة والأسد رأسًا برأس.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد