هناك صديقان لم ير أحدهما الآخر في حياتهما رغم موهبتهما الفذة وحياتهما التي تحمل من الألم والحب والصداقة ما لم يره الوسط الأدبي إلا قليلًا. فمثلًا رسائل كارل ماركس إلى الشاعر الهندي ميرزا غالب ورسائل الصداقة والحب ما بين الشاعر أمل دنقل وزوجته عبلة رويني.

الكثير من الأدباء حملوا معاني الحب والصداقة من بعض ما تم معرفته من خلال الكتب عن بعضهم بعضًا. فمقالتي هنا تحمل الصداقة والحب عن بعد لكتاب لم يقابلوا بعضهم طول حياتهم لكنهم راعوا مشاعر الود والصداقة في حياه بعضهم.

بين كاتبين روسيين أبهروا هذا العالم بكلمات من نور، شمعة في الظلام بروايات أدبية، كانوا تولستوي ودوستويفسكي. الكاتب (روني فولوب ميلر) الذي كتب عن هذا الموضوع في كتاب اسمه اللقاء المستحيل عن تلك الصحبة الرائعة الجميلة في مواقف كثيرة. وسأحكي صدق تلك الصداقة في مقالتي هذه لعلها تكون برهانًا علي صداقة من الطراز الرفيع.

مدح صداقة كاتب مبدع وصديق مخلص

تحدث دوستويفسكي عن عبقرية تولستوي لدرجة اعتباره دليلًا حيًا علي الأهمية التاريخية لروسيا، فبعضهم أراد أن يعرف كيف يمكن لدوستويفسكي أن يبرهن أن روسيا تمتلك موروث المسيح.

فقال إذا طلب منا الغرب أن نحدد له كاتبًا كبيرًا فنحن قادرون على استخلاصه من درر فكرنا فسنذكر له تولستوي وروايته (أنا كارنينا) ففي هذا ما يكفي.

1- أسرار عدم لقائهما

تحت ضغط الظروف لم يتح لهما طيلة حياتهما أن يلتقيا ويرتبط هذا الأمر بظروف معينة فبينما كان تولستوي في عام 1855 و 1865 يقيم بشكل متواتر في (سانت بيترسبرج) وكان الآخر منفيًا في سيبيريا وعندما عاد للعاصمة كان تولستوي قد انتقل منذ مدة لأحد ممتلكاته التي ورثها، وهي التي لم يغادرها إلا قليلًا.

2- فرصه لم تتكرر

قد أعطى القدر فرصة للقاء الكاتبين فكانت هناك ندوة لفيلسوف صديق (فلاديمر سولوفيوف) فقد طلب تولستوي من صديقه ورفيقه الناقد والكاتب الصحفي أن يمنع عنه أي شخص يرغب في مقابلته فكان من المستحيل وضع صديقه دوستويفسكي ضمن الممنوعين. فعندما علم بذلك تأسف كثيرًا لضياع فرصة اقترابه من (تولستوي).

3- صدمة موت (دوستويفسكي)

أثرت تأثيرًا بالغًا في تولستوي فكتب إلى إحدى زملائه: «لم أر البتة هذا الرجل وفجأة عندما مات أدركت أنه كان أقرب الناس لي، وأعلاهم لقلبي بل أكثرهم ضرورة بالنسبة لي. لم أفكر إطلاقًا في يوم أن أقارن نفسي به، ذلك أني كنت أجد نفسي في كل ما يبدعه. إذا كان الفن يوحي لي بالرغبة وكذا الذكاء فإن إبداعه النابع من القلب لا يشيع إلا السعادة. لقد اعتبرته صديقًا وكنت دائمًا أظن أننا سنلتقي إن عاجلًا أم آجلًا، بيد أنني أقرأ فجأة نبأ وفاته، وكأنني فقدت سندًا يدعمني، لقد أصبت بجنون ثم أدركت حجم تقديري له فذرفت الدموع، ولا أزال أنتحب».

فقد قال طبيب عائلة تولستوي في مذكراته إنه سأل على معرفته بكتب صديقه فكان جوابه: لقد أنهيت للتو قراءة (الإخوة كارامازوف) ولكنها لم ترق لي، فإن نقيصة دوستويفسكي تكمن في أن فنه لا يتبع معايير فهو يبتكر بقوة تفاصيل كثيرة، بعضها مبالغ وبعضها مهمل. يبدو أننا نجد في كتبه العديد من الأفكار العميقة، زد علي ذلك أنها تزخر بنفس ديني باذخ ويبقي اعتراضي الوحيد على الشكل، لذلك لا أستسيغ تمكن رواياته من ممارسة مثل هذا التأثير».

ربما قلت بضع دلائل على الصداقة القوية التي جمعت بين الأدباء ولم نجد مثلها الكثير، فهما لم يلتقيا. وهناك أدباء وشعراء لهم علاقات قوية بأقرانهم ومن يحبونهم ومنهم من تزوجوا أديبًا أو شاعرًا مثل علاقة الشاعر الفلسطيني العظيم مريد البرغوثي بالروائية رضوى عاشور، فالتاريخ العالمي حكى الكثير عنهم، وسهل جدا أن تخترع الأدب لكن صعب أن تجد صداقه متواضعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد