جمعني منذ أكثر من عام لقاء مع أحد كوادر العمل السياسي، من قيادات التيار الإسلامي، بالتحديد في مسجد أحمد يوسوي، بمدينة بشاك شهير، في إسطنبول.

كان لقاءً أخويًا ومثمرًا طغت عليه الروابط الانسانية والاجتماعية، لدرجة تمنيت معها ألا ينتهي النقاش ويمتد الحديث بنا إلى أقصى ما يمكن أن يكون من الوقت.

لم يخف الرجل ثناءه علي وإعجابه بي، وكلما تحدث عن ذلك تصريحًا أو تلميحًا كلما احمر وجهي وزاد شعوري بالخجل من وقع حديثه، ولا أجد من الكلمات للرد على هذا الثناء إلا الشكر والتوضيح بأنني لا أقوم بشيء يستحق هذا الثناء وأن ما أقوم به أبسط بكثير ولا يعدو كونه أمرًا عاديًا يقوم به الكثير وعلى نحو أفضل مما أقوم أنا به.

أتذكر دائمًا بنوع من السرور الذي قلما وجدناه في واقعنا المليء بالأحزان، هذا اللقاء، ولأن ما يحلو لا يكتمل تأتي دائمًا في مقدمة ذكرى اللقاء استفهام يعقبه نُصح من الرجل وجهه لي.

فكان الاستفهام عن سبب عدم انضمامي تنظيميًا لمظلة سياسية أو دعوية أستطيع من خلالها الوصول إلى المكان الذي يجب أن أكون فيه – على حد قوله – ويجب علي أن أختار مظلة أنضم إليها وأن أُسرع في الانتقال مما أنا فيه إلى الأفضل.

جاء ردي كما هو مع كل مرة يأتي الحديث فيها عن الانتماءات السياسية والدعوية التنظيمية، فأنا حر في أن أكون حرًا لا يحكمني إلا قيود إيمانية تخضع لها كافة تصرفاتي وأعمالي، نابعة من داخلي.

هذه المساحة من الحرية التي أنتمي إليها لا يمكن أن تتحقق تحت مظلة من المظلات التي نُصحت بها في اللقاء، على العكس من المظلة التي افتخر دائمًا بها وبانتمائي إليها، إنها مظلة يناير (كانون الثاني) 2011، مظلة لا تقل في جمالها عن تلك التي تقي الناس شر حر في يوم من صيف، تتساقط عليهم أشعة الشمس كاللهب على رؤوس كل من يسير في الطرقات، فلا تختار المظلة من يحتمي بها ولا الشمس تنتقي الرؤوس، تتشابه كثيرًا مع مثيلتها التي تمنع مياه الأمطار الغزيرة من إغراق سائر في شتاء طوبة.

منذ بداية عملي العام استبعدت المظلات السياسية جمعاء لشعوري بأن مساحات عملها مقيد بمصالح أضيق من الحلم الذي أنتمي إليه وأتمناه، تحكمه قواعد داخلية وتنظيمية وحرص على حسن ظهور التيار وتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب مع كل فرصة.

أما مظلة يناير فلا قواعد داخلية تحكم أبناءها إلا مكاسب لعموم الشعب ولا صراعات إلا مع الساعين للانتقاص من الحقوق وترسيخ الاستبداد.

تأكدت من صحة ضيق المظلات وانتقائية عملها وتغليب مصالحها على مصلحة الوطن والمواطنين في كثير من الأحيان أو تقديمها عليهم، وذلك من خلال تجربة واحتكاك مباشر على مدار الأعوام المنصرمة.

ولعل أبرز نتائج هذه السياسات ما نعيشه الآن من ضعف وتيه وانشغالنا بقضايا بعيدة كل البعد عن أصل الطريق، قضايا تفريقية لا تجني إلا مزيدًا من التمزق والتخوين وترسيخ الحواجز العازلة لكل فريق وتيار فكري لا يستطيع من خلالها رؤية حقيقة الآخر.

أتذكر في أول سنين الغربة طاقات كانت فقط بحاجة إلى تهيئة مناخ مناسب لتعمل وتُنتج وتُبدع بما يجعلنا على أصل الطريق ومواجهة كل ما يدعو للتفريق والتمزيق، ولكن للأسف كثير من أصحاب هذه الطاقات أُجبروا تحت ضغط الغربة وندرة فرص العمل، على مغادرة المركب، قاصدين الرزق في عرض بحر لا يرحم من يتوقف عن العوم فتطفوا عليه المياه بلا عودة عليها مرة أخرى، إنها الغربة بدون عمل، فمنهم كثير يعمل 12 ساعة، بالإضافة إلى أربع ساعات في المواصلات ذهابًا وعودة طوال الأسبوع إلا يومًا واحدًا لا يتسع إلا لغسيل وكوي ملابسه وشراء متطلباته الشخصية.

إن استمرار عمل التيارات والجماعات بهذا الشكل لن يصنع إلا الفشل من خلال تقديم أصحاب الثقات على أصحاب القدرات، واستمرار لإهدار الطاقات، بل وتبديدها، وتضييع فرص على الوطن وإطالة أمد المحنة العاصفة بأم الدنيا وأبنائها.

لا أقصد فرض أو تقديم شخص خارج إطار جماعة أو تيار على الأعضاء، ولكن يجب التمييز بين ما هو داخلي لكل فصيل وما هو خارج إطارهم الضيق فلكل مساحة أدبياتها وسُبل للتعامل معها ولا يمكن أو نساوي مصلحة حزب بمصلحة وطن! مساحاتك الداخلية اصنع فيها ما شئت وقدم من أردت يصلح لذلك أو لا يصلح.

حتى إن تلك التيارات المنحازة لنفسها غير جادة في صناعة وإعداد الكوادر المطلوبة لإنجاح أي عمل والأمور مستمرة على هذا النحو وأخشى من الأسوأ الحتمي في هذه الظروف بانتقال الرايات من فاقدي القدرة إلى معدومي الرؤية من الصالحين الثقات، واستمرار إهدار طاقات الصالحين المصلحين من غير المرضي عنهم داخل التيارات، فقط لانحيازهم لقواعد تضيق بها التحزبية والتعصب الأعمى الذي يجنح بصاحبه بحيث يجعله جلادًا على مختلف معه ويدعو للفتك به، رقيقًا في عتابه إن عاتب لمتفق معه في الفكر أو الجماعة على نفس الخطأ أو يزيد.

أهم ضمانة لسير الأمور كما يريد المنتهكين لحقوق الشعوب والساعين للبطش بهم هو أن تظل الفصائل والتيارات على هذه الحالة حتى لا تكون كاذبة عندما تروج لفكرة شيطنتهم أمام الرأي العام، فلا يجد الناس مفرًا من أن يتجهوا نحو مربع محايد ومعادي للطرفين ويشاهد صراع الظالمين ويدعو الله بأن يضرب الله الظالمين بالظالمين، و تتآكل شريحة هذه الأحزاب يوما بعد يوم مع الفشل والشعور بالمظلومية الواقعة عليهم من بني تيارهم بالمحسوبية والمحاباة والتوريث.

وأخيرًا لا أجد حرجًا في أن أقول إن من اعترضوا على التوريث في الحكم يمارسونه في داخلهم ومن رفض المحسوبية ينعم بها بعيدًا عن وطنه ويتفضل بها على المقربين منه، والفرق أن مبارك كان يستهدف ترسيخ آلية تجديد شباب نظامه ذاتيًا من خلال التوريث داخل مؤسسات الدولة بميزة أبناء العاملين وتشبيك مصالح العاملين معه، أما المحسوبية من الطرفين فلا ينتج عنها إلا مزيد من إهدار فرص على الدولة للنهوض ومزيد من الشعور بالظلم في نفوس كانت تملك في داخلها ما ينفع وتواجه كل ما يضر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد