عندما تمشي في شوارع صنعاء وغيرها من مدن اليمن، وتنظر إلى أولئك الأطفال وقد تركوا المدارس وأصبحوا في الأسواق وغيرها، وإلى أولئك النسوة والرجال المحبطين وعيونهم ممتلئة باليأس، وكأن قد أصابهم جلل عظيم، وهو كذلك، فما أصابنا شيء عظيم أعظم وأكبر من الحرب «إنه غياب الأمل بنهاية الحرب»؛ فالإنسان حتى ولو كان في نفق ضيق وعميق ولا أحد يشعر به، لكنه يرى الضوء فسيكون لديه الأمل في النجاة، وسيستمر في التمسك بالحياة، والعكس إذا كان النفق مظلمًا «سيكون محبطًا» وبدن عزيمة.

أرسلت الأمم المتحدة عدة مبعوثين إلى اليمن، ومن الملاحظ أنه في كل مرة ترسل الأمم المتحدة وسيطًا إلى دولة أو منطقة معينة لحل مشكلة، تصبح المشكلة معقدة ومتشابكة، ويصبح حلها شبه مستحيل، بل المستحيل بذاته؛ فجميع المشاكل المرسل لها وسطاء الأمم المتحدة مشاكل سياسية إلا ما ندر، وما إن تدخل الأمم المتحدة حتى تتجه القضية إلى منحنيات طائفية، وعرقية، ومذهبية، وما كان بالإمكان حله بالسلم أو بالحرب في سنة أو سنتين، وبعضها أقل من ذلك بكثير، تصبح كالمسلسل المكسيكي – لا نهاية لها- ثم تدخل الأمراض والأوبئة، وتدخل معهما الأمم المتحدة مساعدًا ومنقذًا، ويصرف القلق يوميًّا، وتنهمر الدموع، وتأتي أيضًا المجاعة، وتبدأ المنظمات الأممية في العمل، وتطبق «مفهوم المرور اليمني ثلثين بثلث»، ثلث مساعدات، وثلثان مرتبات موظفي الأمم المتحدة، وإذا ما ناقشنا كونها المرة الأولى لغريفث كمبعوث أممي؛ فالفشل هذا له نتيجة كارثية على المستقبل السياسي لغريفث. 

ومع كل فشل أو عجز تكون النتيجة الاستقالة بهدوء، وهذا ما حدث مع المبعوثين الأسبقين، لكن غريفيث لديه إصرار عجيب على البقاء في منصبه؛ فلم يسبق لوسيط أممي أن أرسلت وساطة ثانية لمنحه فرصًا أخرى للبقاء كوسيط، لكن الاستقالة ستحدث في القريب المنظور؛ فاستقالة غريفيث مسألة وقت وظرف مناسب؛ فقد أصبح مشكلة بحد ذاته بسب «خروجه عن مسار الوساطة المكلف بها، وتحوله إلى مخرج لمسرحيات الحوثي»، حسب الناطق باسم الحكومة اليمنية راجح بادي؛ فالمبعوث الأممي الخاص إلى اليمن البريطاني مارتن غريفيث منذ تعيينه في منصبه وهو يراوح مكانه، كل يوم وعداد الموت والقتل في ازدياد بوتيرة عالية، ومن لم يمت منهم قتلًا «مات فقرًا»، ناهيك عن ضياع جيل كامل؛ فخمس سنوات من الحرب سببت الكثير من المآسي، وأهمها الجهل؛ فالجهل سيقتل حاضر هذا الجيل ومستقبله تمامًا، بينما غريفيث يبدو سعيدًا «ولا يهمه من هذا شيء، بل صل الأمر إلى أن بعض الأطراف يرتكب جريمة حرب عمدًا»، قبل وصول المبعوث الأممي في محاولة إلصاق التهمة بالطرف الآخر، والضحية هم المدنيون الذين يتمنون أن لا يأتي المبعوث أبدًا «فلم ير الشعب اليمني أي فائدة لوجوده. بل أعتقد أن غريفيث نفسه لا يرى أي فائدة لوجوده، فيقضي الشهر والشهرين بدون أي تحرك في مهمته الإنسانية في المقام الأول، فقد فشل فشلًا ذريعًا».

مما لا شك فيه أن غريفيث قد أخطأ خطأ فادحًا بتماهيه مع الحوثيين، ويحاول الخروج بماء الوجه، لكنه أيضًا يشعر بالغبن لفشله في أول مهمة له مبعوثًا، والحكومة الشرعية هي من سارعت إلى رفضه، وطلب تغييره لعدد من الأسباب تبدو واقعية إلى حد ما.

بالرغم من عودته بعد ضمانات قدمت للحكومة، فلا أعتقد أنه يحمل أي جديد، عدا خطاب استقالته المحفوظ وسط أوراقه القديمة؛ فالتوقيت الآن في ساعة غريفيث هو الوقت المحتسب بدل الضائع من الشوط الثاني، وفي هذا الوقت الحرج سيسدد غريفيث هدفه صوب الحكومة، بعد أن يجد سببًا مقبولًا، كما فعل المبعوث الأسبق جمال بن عمر، ثم يستقيل بكل بساطة بعد أن يلقي باللوم على حكومة هادي، فيخرج بأقل الأضرار.

وبالمقابل ليس لدى غريفيث الكثير ليقدمه، خصوصًا إن كان أمراء الحرب مستفيدين من الحرب، ولا يريدون نهايتها، ثم ما الذي سيأتي به مبعوث جديد، فملف اليمن كغيره من الملفات ليس بيد الأمم المتحدة، وحتى أمراء الحرب مجرد بيادق شطرنج بيد اللاعب، وعندما تصبح اللعبة مملة قد ينهيها اللاعب وقد يكسر البيادق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد