من كان يتخيل أن الحرب الباردة يمكن أن تتحول إلى «حرب هادئة»، والآن حرب Covid-19؟ خاضت الولايات المتحدة الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفيتي السابق ، وانتهت بحل الأخير، ولا تزال الحرب الهادئة بين الولايات المتحدة والصين مستمرة حول التجارة.

أما عن حرب کوفيد-19؛ فإنها لا تدور حول قتال بعضها بعضًا، بل حول حماية مواطني كل دولة من الفيروس التاجي الذي لا يميز بين الحدود والمعتقدات السياسية، وسيحكم التاريخ على الكيفية التي أبلغت بها الصين الاستبدادية، في معركة الصحة العامة هذه، عن أكثر من 4632 حالة وفاة؛ بينما توفي أكثر من 46000 في الولايات المتحدة الديمقراطية.
وهناك أربعة خيارات صعبة في هذه الأزمة: أخلاقية، وإعلامية، وسياسية، واقتصادية، ولابد من اتخاذ قرار أخلاقي قاس بين الأرواح وسبل العيش.

الخيار الأخلاقي:
لقد اختارت معظم الحكومات بحق حماية الأرواح عن طريق إغلاق الاقتصادات، وتقدر منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي خسارة بنسبة 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لكل شهر من عمليات الإغلاق، مما يؤدي إلى زيادة التكاليف الاقتصادية.
وهذا يفسر سبب دعم الرئيس الأمريكي لإعادة فتح الاقتصاد في أقرب وقت ممكن، ومع بلوغ تقديرات الوفيات في الولايات المتحدة إلى 150000 بحلول شهر أغسطس (آب)، فإن القضية هنا هي ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرةً على إنفاق تريليونات الدولارات لمنع المزيد من الوفيات.
البلدان النامية لا تستطيع تحمل الإغلاق بالتأكيد، وفي الوقت الحالي، يفتقر العديد من مواطنيها إلى المياه الجارية، والصابون ، ولا يمكنهم غسل أيديهم بشكل متكرر لوقف انتشار الفيروس التاجي، وقد يدفع الوباء ملايين آخرين نحو الفقر.

الخيار الإعلامي:
الخيار الثاني إعلامي: هل تصدق العلماء أم السياسيين؟
يريد ترامب من ناحيةٍ،جدولًا زمنيًّا لإعادة تشغيل الاقتصاد، ولكن من ناحيةٍ أخرى، يقول خبير الأمراض المعدية أنتوني فوسي إن الجدول الزمني يحدده الفيروس.

وحتى الآن، القادة السياسيون الذين استجابوا للمستشارين العلميين قاموا بعمل أفضل. إن رؤساء وزراء سنغافورة وماليزيا ونيوزيلندا يستحقون الثناء على اتخاذهم إجراءات حاسمة وإنفاذ عمليات الإغلاق.

الخيار السياسي:
إن تحديد ما إذا كانت الرأسمالية أو الاشتراكية أكثر ملاءمة لإدارة الجائحة هو ثنائي زائف؛ فالقضية الحقيقية هي ما إذا كان المسئولون في أيٍّ من النظامين قادرين على اختبار وتعقب واحتواء الفيروس.
في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تم تصنيف الولايات المتحدة على أنها الدولة الأكثر استعدادًا للأوبئة في مؤشر الأمن الصحي العالمي الذي نشره مركز جونز هوبكنز للأمن الصحي ووحدة الاستخبارات الاقتصادية، وحلت بريطانيا في المركز الثاني، والصين في المركز الـ 51.
في أواخر نوفمبر (تشرين الثاني)، قبل أن ترِد الأنباء عن حالات إصابة بفيروسات تاجية في ووهان، حذر المركز الوطني الأمريكي للاستخبارات الطبية من تفشي مرض في الصين يمكن أن يشكل تهديدًا خطيرًا للقوات الأمريكية في آسيا.
في 29 يناير (كانون الثاني)، نبه المستشار التجاري لترامب «بيتر نافارو »، البيت الأبيض بأن «تفشي فيروسات تاجية كاملة على الأراضي الأمريكية» قد يكلف تريليونات الدولارات وصحة الملايين؛ فلماذا لم يبدأ النظام الأمريكي المتبجح لمنع انتشار Covid-19؟

ومن الإنصاف أن نعترف بأن كل البيروقراطيات بطيئة في الاستجابة للتحديات الجديدة وغير المؤكدة؛ وقال ماورو فيراري؛ أكبر علماء الاتحاد الأوروبي، إنه اقترح برنامجًا خاصًا في مارس (آذار) لمكافحة الفيروس؛ لأنه «يجب تزويد أفضل العلماء في العالم بالموارد والفرص لمحاربة الوباء بأدوية جديدة ولقاحات جديدة، وأدوات تشخيصية جديدة، ونهج ديناميكية سلوكية جديدة تستند إلى العلم، لتحل محل الحدس المرتجل للقادة السياسيين».
ومع ذلك؛ تم تمرير اقتراحه «إلى طبقات مختلفة من إدارة المفوضية الأوروبية؛ إذ تفكك عند التأثير». في النهاية؛ استقال من منصب رئيس مجلس البحوث الأوروبي، بعد فشله في إقناع بيروقراطية الاتحاد الأوروبي باتخاذ إجراءات.

الخيار الاقتصادي:
وأخيرًا وليس آخرًا؛ هناك مسألة كيفية إعادة فتح الاقتصاد بمجرد أن يتم وضع الوباء تحت السيطرة،؛ والحقيقة هي أنه لا توجد صيغة أو نموذج أو نظرية واحدة يمكن أن ترشدنا، بالنظر إلى أن البلدان المختلفة لها قيم وموارد ومؤسسات مختلفة.
شيء واحد مؤكد؛ أنه لا يمكن للسوق أن تستجيب دون دعم الدولة. في الواقع؛ لا توجد (أفضل الممارسات) عندما يتعلق الأمر بتحديد كيفية إعادة فتح الاقتصاد؛ سيتعين على كل بلد إجراء التجارب؛ استنادًا إلى أفضل البيانات عن الصحة العامة والاقتصاد.
لم تعدنا أيديولوجية السوق الحرة لهذا، لأن لدينا معلومات جيدة عن أكبر الشركات، ولكن القليل من البيانات المحدثة في الميزانيات العمومية للأسر والشركات الصغيرة التي تشعر بعبء عمليات الإغلاق.
وفي الوقت نفسه، تسقط الدول الغنية «أموال طائرات الهليكوبتر»؛ كما لو كانت طائرات الهليكوبتر قادرة على إخماد حرائق الغابات المشتعلة عن طريق رش المياه بشكل عشوائي، والاقتصادات الناجحة هي تلك القادرة على توجيه الأموال لمساعدة من هم في أمس الحاجة إليها.
ولوضع هذه المشكلة في طريقة أخرى، تحتاج الاقتصادات إلى اختبار، وتتبع، واستهداف؛ تمامًا كما تفعل الأنظمة الصحية لمعالجة الفيروس؛ ومن الناحية العملية، هذا يعني تطبيق الأدوات التي تناسب الظروف على أرض الواقع.
في خوض الحرب ضد Covid-19  النجاح نسبي، لكن الفشل معدي؛ إذا فشلنا كأفرادٍ وكمجتمعٍ في اتخاذ خياراتٍ صعبةٍ، فستفقد المزيد من الأرواح وسبل العيش؛ هذا هو صندوق الوباء الذي فتحناه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد