شبح الفشل لازال يخيم على السياسيات الخارجية الأمريكية، منذ إدارتها لعملية الانقلاب العسكري ضد مصدق، وحكومته المدعومة من النقابات العمالية والمهنية والأحزاب السياسية، اليسارية منها والليبرالية، التي عبرت عن حالة ديمقراطية متميزة في تاريخ إيران الحديث.

وذلك بين 1941 حتى 1947. خلال فترة المهادنة بين الشاه والحركة الوطنية، والتي تلتها فترة اعتقالات شرسة نفذتها أجهزة الشرطة السرية الإيرانية، وذلك إثر محاولة اغتيال الشاه محمد رضا، والذي اضطر لإطلاق سراح المعتقلين فيما بعد. ومن بينهم مجموعة من معتقلي حزب (توده)، الذي نظم نفسه داخل المعتقل. الحزب الأكثر شعبية في الأوساط الشعبية والنقابية والعمالية والمهنية، خلال الأربعينيات. وبلغت شعبية حزب توده ذروتها مع تولي مصدق رأس الحكومة عام 1951 إثر اضراب عمال الزيت بتحريض من حزب توده (حزب الشعب)[1]، الذي أوصل عمليًا حكومة وطنية مستقلة إلى سدة الحكم.

الانقلاب العسكري والإطاحة بمصدق

إلا أن الاستخبارات الأمريكية أطاحت بحكومة مصدق المنتخبة ديمقراطيًا، وبقيت تفاصيل العملية طي الكتمان حتى عام 2000، بعد تسرب نسخة عن العملية الاستخباراتية، إلى صحيفة نيويورك تايمز. والتي كشفت عن تفاصيل الانقلاب العسكري، التي نفذت بإشراف بإشراف مباشر من وكالة الاستخبارات الأمريكية تحت اسم (كودي) (TPAJAX) وأوكلت المهمة إلى كرمت روزفلت (Kermit Kim Roosevelt Jr. 1916 -2000) حفيد الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت (Theodore Roosevelt. 1858 – 1919). وقادها إيرانيا، العقيد نعمت الله نصيري قائد الحرس الملكي، الذي حمل وثيقة اقالة ملكية لمصدق، فيما فشل في اعتقال رئيس أركان الجيش آنذاك، وهو في طريقة إلى إلقاء القبض على مصدق نفسه؛ مما هدد العملية برمتها بالفشل. الأمر الذي كاد يهدد بدوره أعلى سلطة تنفيذية في الولايات المتحدة وبريطانيا، إذ كانت بأوامر من الرئيس الأمريكي إيزنهاور ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل[2].

وجاءت العملية ردا على سياسات مصدق، الذي أخذ على عاتقه تحرير الاقتصاد النفطي الإيراني من سطوة الشركات الأجنبية، التي أغرقت البلاد في أزمات اقتصادية خانقة قبل وصول مصدق للراسة الحكومة. بالإضافة إلى مجمل إصلاحات حكومته التي منحت المرأة حق الاقتراع علاوة على تصفية الجيش من الموالين للشاه والأجانب.

نجح الانقلاب العسكري، وأسس الغرب مرحلة الحزب الواحد في إيران، التي مثلها حزب (رستاخيز در إيران) أو حزب النهضة في إيران، ومن جانب آخر أسس جهاز (السافاك) الاستخباراتي لملاحقة أعضاء حزب توده بمعونة من الاستخبارات المركزية الأمريكية وخبرة جهاز الموساد (الإسرائيلي). إلا أن الحكومة الجديدة فشلت في استرضاء الشعب الإيراني رغم تعيين شريف إمامي – المنشق عن حزب النهضة – رئيسًا للحكومة.

الإسلام السياسي يستثمر في الاحتجاجات

فشل الحكومة الجديدة هيأ الأرضية الخصبة لنمو الأصولية الدينيةـ، وأفضى بعد سنوات قلائل إلى اندلاع الثورة الإسلامية، والتي تعود جذورها إلى المظاهرات التي أثارتها نقابة المحاميين، بقيادة شخصيات ثورية مهمة كحسن نزيه نقيب المحامين ونائبيه عبد الكريم الأنواري وهداية الله متين دفتري[3]، ولكن كان للإسلاميين الكلمة الأقوى، حتى انتصارهم في نهاية المطاف وتوليهم السلطة 1979. لتتخذ سياسات تصفوية ضد الأحزاب الليبرالية واليسارية وحُلت النقابات وفرضت الشريعة الإسلامية في الدستور الجديد، وحلت البرجوازية الأصولية محل البرجوازية الوطنية (الليبرالية)، وعلى الصعيد الخارجي اتخذت الحكومة الإسلامية الجديدة سياسات معادية للمصالح الأمريكية في إيران والشرق الأوسط.

وبدأت عمليا بدعم ميلشيا (حزب الله) الذي استطاع دحر الاحتلال الإسرائيلي سنة 2000 وقاوم الغزو الإسرائيلي في 2006 بالإضافة إلى أنها شكلت ضغطًا كبيرًا ضد حلفاء الولايات المتحدة في الخليج العربي، ولا سيما السعودية، بل تهديدًا استراتيجيا للعائلة الحاكمة. وبالتالي فإن التدخل الاستخباراتي الأنجلو – أمريكي، أودى بالبلاد من جهة، ورماها تحت رحمة الأصولية الدينية، ومن جهة أخرى انتهجت الحكومة الإسلامية سياسات خارجية واقتصادية تتقارب لحد كبير مع سياسات مصدق وحكومته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إيران, دولي, سياسة

المصادر

[1] آمال السبكي، تاريخ إيران السياسي بين ثورتين، سلسلة عالم المعرفة، عدد250 (الكويت، المجلس الوطني للثقافة والاداب، 1999) ص182.
[2] ستيفن كينزر، أتباع الشاه، سهى الشامي، ط1 (القاهرة، كلمات عربية، 2011) ص 38.
[3] دونلد ولبر، ترجمة عبد النعيم محمد حسنين، إيران ماضيها وحاضرها، ط2 (القاهرة، دار الكتاب المصري، 1985)، ص14.
عرض التعليقات
تحميل المزيد