ذات يوم صرخ رجل بأعلى صوته: «يا إلهي، لقد دخل خازوق بي»، ولكن أحدًا لم يعره انتباهه انطلاقًا من فكرة «وما دخلي أنا بخازوق دخل بغيري». ومع مرور الزمن، ازداد عدد الذين يصرخون: «لقد دخل خازوق بي». بداية كانت الخوازيق تدخل في أشخاص من عامة الشعب، وبعد ذلك بدأت الاستغاثات تنطلق من شخصيات الدولة رفيعة المستوى، جراء الخوازيق التي كانوا ينالونها الواحد تلو الآخر، وراحوا يصرخون: «إلحقوني، يا إلهي، أنقذوني من هذا الخازوق، لا أستطيع تحمله أكثر». وبعد فترة من الزمن راح الوزراء، الواحد تلو الآخر، الذين لم يكونوا يصدقون أو يأبهون بالخوازيق التي تدخل بغيرهم، يطلقون أصوات الاستغاثة ويتلوون من الألم، وفي نهاية الأمر، لم يبق رجل في الدولة لم يذق طعم الخازوق، باستثناء الملك. وذات يوم دخل خازوق في الملك وراح يصرخ: «يا إلهي، حتى أنا دخل الخازوق بي»، وراح يتلوى من الألم.
قصة «عزيز نيسن» الساخرة صدمتني حين قرأتها لأول مرة في أحد المقالات فاستعرتها، وكانت معنونة بنفس عنوان المقال فشعرت أنها تمثل الوضع في مصر، حيث الكلام عن وحدة الدولة وبقاء المجتمع.

فالقصة لا تعبر عن تبعات الانهيار السياسي والفشل الاقتصادي فقط، ولكنها ترسم خريطة إلى أي مدى ستصل الخسائر، وكيف سيعم الخراب على الجميع من تلك السياسات المستهترة بمصائر الشعوب.
في الواقع قد انتهى دور الشعب في «الخازوق» شعر به جميع طوائف الشعب، تبقى النخبة وأولو الحظوة من رجال الحكم، تبقى أن يشعروا كيف تكون المعاناة تحت وطأة الغلاء والفقر والفساد والرشوة والمحسوبية.
تخطت البطالة في مصر طبقًا للأرقام الرسمية 12%، زيادات جنونية في الأسعار، ضرائب على كل شيء، وقريبًا على الهواء المتنفس.
معالجة للأزمة الاقتصادية بقروض ستجعل أحفاد أحفاد المصريين يقولون إن مصر تاريخ 7000 سنة قروض، فلم تكتف السلطات الحاكمة بتخريب حياة هذا الجيل فقط، بل قررت أن تفسد حياة كل الأجيال القادمة في مصر؛ حتى لا يستطيع أحد أن يفكر في أي أفكار أخرى سوى كيف سأحيا اليوم؟ ومن أين أعيش؟ أو أين طريق المطار؟
في الواقع لا جديد يمكنني أن أخبرك به عن الحال في مصر، ولا أملك حتى أي حلول لأزمة حياتنا في هذا الوطن الذي نسانا، أو تجاهلنا عمدًا، أو سهوًا لا أدري.
ولم أحدثك عن وحدة المجتمع، ولكن يكفي أن أخبرك أن لدينا في مصر «ناس بتشقى على الرغيف وبالمقشة بتتكنس وناس بتتعب من التنس»، عم صلاح جاهين ولكن بتصرف.
أحاول أن أكون بسيطًا في فكرتي، أو خفيف الظل بعد انقطاعي لفترة كبيرة عن الكتابة بسبب انسداد الأفق، وسوداوية الرؤية للمستقبل، فسامحوني للكآبة المفرطة، كل ما أردته هو أن أشاركك معي يا صديقي شعوري بقصة الخازوق، وأخبرك أن لا تغيير في الأحوال، وأن الوضع باقٍ كما هو عليه، وعلى المتضرر اللجوء إلى السماء، فلن تسطيع أن تسافر، الوضع في أوروبا مغلق أمامنا نحن العرب، وأمريكا ترفض استقبالنا لاعتبارات أمنية!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد