نؤمنُ جميعًا أنّ «الإسلامَ نظامٌ شاملٌ يتناولُ مظاهرَ الحياة جميعا، فهو: دولةٌ ووطن أو حكومةٌ وأمة، وهو خُلقٌ وقوة أو رحمةٌ وعدالة، وهو ثقافةٌ وقانون أو علمٌ وقضاء، وهو مَادةٌ وثروة أو كَسبُ وغنى، وهو جهادٌ ودعوة أو جيشٌ وفكرة، كما هو عقيدةٌ صادقة وعبادةٌ صحيحة، سواء بسواء»، هذه ثوابت عَقَدية وتربوية لا تنفك عنا ولا نبرحها حتى نلقى اللهَ ونحن على صراطه، فالسياسة والصحة والتعليم والإعلام والتربية والوعظ والفن الهادف وكسب القوت والعمل اليومي كل هذا من الإسلام، وكل هذا يُثاب فاعلُه ويُجازى صاحبُه، إن أخلصَ النيةَ وأحسنَ العمل.

ولكن ليس لزامًا على جماعةٍ معينة أن تقوم بكل هذه الجوانب؛ لتثبت لنا شمولية الإسلام، فمن الممكن أن تقومَ هي بجزءٍ، ويقوم غيرُها بجزء آخر، كما لا يُشترطُ أن تكون أنت طبيبًا ومهندسًا وواعظًا ومحاسبًا ومعلمًا وعسكريًا في نفس الوقت؛ كي تثبت لنا شمولية الإسلام، بل من الطبيعي أن تكون أنت طبيبًا فقط، وأكون أنا معلمًا فقط، ويكون ثالثٌ مهندسًا فقط، … وهكذا. سيدُنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه كان سياسيًا لا عسكريًا، في حين كان خالد بن الوليد رضي الله عنه عسكريًا لا سياسيًا، بينما كان أبو هريرة رضي الله عنه مُحَدِّثًا.

الآن ممكن للجماعات الإسلامية أن تقومَ بدور الدعوة الإسلامية والخدمات المجتمعية، وتترك الاشتغالَ بالسياسة لتقومَ بها كياناتٌ أخرى، وتكونُ الجماعات الإسلامية قاعدةً شعبية وحاضنة مجتمعية لها، ومن الممكن إنشاء تكتلات اقتصادية تهتم بأمور المال والتجارة، وكما من الممكن إنشاء مؤسسات تهتم بالتربية والتعليم، ونكون «جميعا» قد حققنا شمولية الإسلام. وقبل أن يسارع البعضُ بالهجوم علينا واتهامنا نقول: كانت جماعة الإخوان المسلمين تمارس الدعوة الإسلامية والخدمات المجتمعية والمشاركة السياسية من خلال التنظيم، ولا فرق في الإسلام بين المشاركة السياسية وطهي المرأة الطعام لزوجها، فالكل عبادة، فلما قامت ثورة يناير 2011م أسس الإخوانُ حزبَ الحرية والعدالة، وأصبح الحزبُ منوطًا بالجانب السياسي، وصارت الجماعة منوطةً بالدعوة الإسلامية والخدمات المجتمعية، وقاعدةً شعبية وحاضنة مجتمعية للحزب، فما ينكره البعضُ الآن من المطالبة بفصل الجانب الدعوي عن السياسي قد فعله الإخوان المسلمون سنة 2011م.

هذا ويرى كثيرٌ من الباحثين في شؤون التيارات الإسلامية مبررات الفصل بين الجانب السياسي والجانب الدعوي من حيث التنظيم والقيادة في الأمور التالية:
1 – طغيان الجانب السياسي والاهتمام به على حساب الجانب الدعوي في حال الجمع بينهما إداريًّا، مما يؤثر على الدور الأهم للجماعات الإسلامية تجاه تربية المجتمع وتنشئته على قيم وأخلاق الإسلام.
2 – الضربات الأمنية التي تنال المشروع الإسلامي، وتؤثر على شقه الدعوي؛ بسبب الارتباط التنظيمي بين الدعوي والسياسي.
3 – ظلم الأنظمة الحاكمة، وشدة بطشها أثر في ثقافة المجتمعات العربية، وجعلها تتعامل مع الجوانب السياسية بشيءٍ من الحذر والخوف، مما يجعل هذا الشعور يمتد ليشمل الجانب الدعوي في حال اتصاله إداريًا وتنظيميًا مع الجانب السياسي، وبالتالي عزوف الشعوب العربية عن المشاركة في الأنشطة الدعوية مخافةَ العواقب الأمنية.
4 – احتياج الشق السياسي لمرونة أكبر وسرعة حركة يقيدها ويبطئ منها ارتباط السياسي بالدعوي في بعض الأحيان، بسبب اختلاف قواعد العمل في الشقين الدعوي والسياسي.
5 – انفصال السياسي يتيح فرصة أكبر لمشاركين من خارج أبناء التيار الإسلامي والذين يتفقون مع المشروع السياسي حتى وإن اختلفوا مع الجانب الدعوي واختياراته الفقهية، وهو ما يعكس نجاحًا للمشروع الإسلامي حين يصبح تيارًا شعبيًا عامًا، يتبناه الجميع، وليس مجرد جماعة منفردة، أو فصيل واحد من فصائل العمل الإسلامي، وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد