في الفترة الأخيرة دارت حوارات على منصات التواصل الاجتماعي حول الفتوحات الإسلامية، وعلى وجه الخصوص حول فتوحات الدولة العثمانية، ولكن الشيء الأكثر إثارة هو أن تجد أن الموضوع قد انتقل من الحديث عن الدولة العثمانية بفتوحاتها إلى الأسئلة التالية: هل كانت رسالة سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم – رسالة عالمية أم أنها فقط كانت رسالة محلية لم يكن مخطط لها أن تتجاوز حدود الجزيرة العربية؟ وهل الفتوحات التي قامت في عهد الخلفاء الراشدين كانت بوحي من الضرورات السياسية أم كانت تحقيقًا لأوامر عليا تجاوزت نطاق البشر إلى الله تبارك وتعالى، من خلال تأكيد القرآن على عالمية الدعوة المحمدية؟

وحول تلك التساؤلات تباينت الإجابات وانقسم الناس حولها بين من رأى أن رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كانت رسالة محلية قاصرة على دعوة العرب، وبين قائل بل هي رسالة عالمية جاءت لتخرج الناس جميعًا من ظلمات التخبط إلى نور اليقين.

ونحن هنا نعيد السؤال مرة أخرى، حول تلك التساؤلات، ولكن بصيغ مختلفة على لسان بعض المستشرقين، وسنحاول في الأسطر القادمة أن نقدم نموذجًا للإجابة عليها من خلال عملاقين اشتهرا بمناقشة الاستشراق الغربي، هذان العملاقان هما العقاد صاحب العبقريات، والفيلسوف الرائع عبد الرحمن بدوي.

«إن ضخامة الخطأ مع سهولة العلم بالصواب خليقة أن تفتح باب الاتهام في سلامة المقصد قبل الاتهام في سلامة التفكير».

بذلك النص الذي أورده العقاد في كتابه الرائع (ما يقال عن الإسلام) قد أنهى على خصمه الذي أخطأ في حق الإسلام من خلال اختياره الطريق الملتوي للبحث عن عالمية الدعوة المحمدية، حيث قال المؤرخ والمستشرق (سوندرز) حسب ما أورد العقاد في كتابه السابق ذكره «ما من دليل وافٍ يدل على أن محمدًا كان يتصور أن الإسلام دينًا عالميًا لجميع الناس» ويستند سوندرز في كلامه هذا على تحقيق رسائل الرسول إلى ملوك الروم وفارس والحبشة فيقول: «وليست رسائله إلى الإمبراطور هرقل وشاه فارس وملك الحبشة وغيرهم من الرؤساء للدخول في دينه بالقصة التي تقوم على أساس».

هذا ويأتي العقاد بصولجانه المعهود ويرد على هذا الكلام، بعقلية راسخة فيبين أنّ المؤرخ (سوندرز) إن كان يريد الحقيقة العلمية فعليه أن ينظر في كتاب الله أولًا فهو مادة الإسلام وقانونه الأول، فإن لم يجد ما يصبو إليه فيه، حُق له حينئذ أن يبحث عن تلك الرسائل المنسوبة إلى النبي ليتأكد من صدقها أو عدمه، أما أن يترك القرآن خلفه ويذهب إلى تقصي الحقيقة من خلال البحث في رسائله صلى الله عليه وسلم إلى ملوك العالم، فإن هذا يفتح أمام العقاد وغيره من الباحثين لأن يفتشوا عن سلامة المقصد وسلامة النية من وراء هذا البحث.

يقول العقاد «ولا حاجة إلى الإطالة في بيان جهل المؤرخ بالموضوع الذي تصدى له.. فإنه لم يكن مطالبًا بقراءة شيء عن الدعوة المحمدية غير ما وصفت به هذه الدعوة في كتاب الإسلام الأول، فإنه يعلم من كل وصف أنّ محمدًا عليه السلام كان رسول رب العالمين إلى جميع العالمين «وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرًا ونذيرًا» وأن ربّ الناس وملك الناس «هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله»، ففي كل آية من آيات الدعوة المحمدية غنى للمؤرخ المحقق عن اصطناع الدقة العلمية في استقصاء الرسائل النبوية إلى هرقل وكسرى والمقوقس والنجاشي.. فمن جهل رسالة القرآن كلها فالعجب أن ينتظر الخبر اليقين من قرطاس مطوي في بيزنطة أو في غيرها يحتمل الشك والإنكار».

هذا وينتقل العقاد في مناقشة (سوندرز) من كتابه ( ما يقال عن الإسلام)، إلى كتابه (الإسلام دعوة عالمية) هذا الكتاب الذي يعتبر تكملةً للكتاب السابق حسب ما أورد الأستاذ محمود أحمد العقاد في مقدمته لهذا الكتاب الثاني، وحسب ما أفاد العقاد فإن الأستاذ سوندرز رجعَ عن يقينه بمحلية دعوة الرسول وقصرها على العرب، بعدما صحح له الأمر الأستاذ أحمد إبراهيم الشريف وهو مدرس الفلسفة (بالمدارس الثانوية)، واستند الأستاذ أحمد في ردوده على سوندرز فقال: «إننا إذا تركنا هذه الأدلة جانبًا واكتفينا بالنظر في القرآن الكريم وحده فهناك أكثر من أربعين آية يذكر فيها الله سبحانه وتعالى باسم رب العالمين وهذا عدا الآيات التي يذكر فيها بالنص الواضح أنه صلى الله عليه وسلم أرسل إلى الناس كافة، وأنّ القرآن قد تنزل عليه ليقرأه على الناس».

الأمر الذي جعل المؤرخ -بعد أن عُرضت عليه تلك الردود- يرجع عن يقينه إلى الشك في المسألة وعدم القطع بمحليتها أو عالميتها واستند في ذلك على أن هناك نصوصًا قد وردت في قصر الدعوة على العرب، كما أنّ هناك نصوصًا أخرى تفيد بأن الدعوة عالمية، الأمر الذي جعل المؤرخ يتشكك في الأمر ليوجه سؤالًا آخر، وهو كيف للقرآن العربي الذي نزل بلغة العرب أن يكون خطابًا موجهًا إلى غير العرب؟

يقول سوندرز في رده على الأستاذ الشريف «أما أنّ محمدًا قد آمن بأن الله هو إله الجميع فليس محل مناقشة، ولكنه ليس بموضع البحث فيما نحن بصدده، ولنا سند من القرآن نفسه حيث ترد الآيات التي يمكن الاستدلال بها على القولين، فقوله في أول سورة الفرقان «تبارك الذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا» قد يقابله في سورة القصص قوله «لتنذر قومًا ما آتاهم من نذيرٍ من قبلك لعلهم يتذكرن» وهو يشير كما هو واضح إلى العرب، ومثله قوله في سورة الشورى «وكذلك أوحينا إليك قرآنًا عربيًا لتنذر أم القري ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه» فإنه يدعو إلى التساؤل عن القرآن العربي هل يخاطب به أناس غير المتكلمين بالعربية».

هذا وقد فنّد العقاد تلك الردود، فقال: «إذا كانت كلمة الناس كافة تحتمل اللبس في أذهان هؤلاء المستشرقين – يشير إلى سوندرز وموير – لسبب من أسباب التأويل في اللغة أو في المنطق فما هو اللبس في وصف العباد الذي تكرر الخطاب بإنذارهم ودعوتهم إلى الدين، إننا نذكر من وصف هؤلاء العباد في القرآن العربي مثلاً واحدًا وهو قوله في خطاب النبي بالعربية «قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرًا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيعٌ فيه ولا خلال، الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار».

«فمن يقرأ وصف هؤلاء العباد الذين سُخر لهم البحر وسخر لهم الأنهار، وسخر لهم الليل والنهار لا يخطر له لحظة أنهم أبناء الجزيرة العربية دون غيرهم من بني الإنسان في جميع البلدان».

وهنا يستحسن بنا أن نستشهد بكلام مفتي الجمهورية التونسية العلامة الطاهر ابن عاشور- رحمه الله – لكلام العقاد، فالعقاد هنا يرى أن ذلك النص الذي ورد في تسخير الشمس والقمر والليل والنهار، لم يكن موجهًا بداهة إلى العرب فحسب، لأن ذلك لم يسخر لهم وحدهم دون غيرهم من أمم العالم البشري، فالقرآن في تلك الآية خاطب العرب كما خاطب غيرهم.

وفي كتابه ( مقاصد الشريعة الإسلامية) يؤكد ابن عاشور ذلك الذي أراده العقاد فيقول في قسم مقاصد الشريعة العامة «معلوم بالضرورة من الدين أنّ شريعة الإسلام جاءت شريعة عامة داعية جميع البشر إلى اتباعها لأنها لما كانت خاتمة الشرائع استلزم ذلك عالميتها لا محالة سائر أقطار المعمورة وفي سائر أزمنة هذا العالم والأدلة على ذلك كثيرة من نصوص القرآن والسنة الصحيحة بحيث بلغت مبلغ التواتر المعنوي»، وفي مناسبة أخرى يقول أيضا «فعموم الشريعة سائر البشر في سائر العصور مما أجمع عليه المسلمون، وقد أجمعوا على أنها مع عمومها أنها صالحة في كل زمان ومكان».

ويضيف العقاد حول زعم سوندرز من أن العرب إنما جاء الرسول لتبليغ رسالته إليهم لأنهم لم يأتيهم نذير قبل محمد كما ورد في سورة القصص فهذه الآية إذن دليل يقابل آية الفرقان، فيرد العقاد على دعوى المقابلة تلك فيقول «وإذا كان عرب الجاهلية قوم لم يأتيهم نذير من قبل، فالدين الذي جاء به صاحب الدعوة المحمدية يعم المتدينين الذين سبقت إليهم الرسل، ويقوم النبي العربي بالدعوة إليه ليظهره على الدين كله «وهو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون»».

وحول آية سورة الشورى التي يرى سوندرز أنها كسابقتها تقابل الآية الأولى في سورة الفرقان، فهل المقصود بأم القرى ومن حولها يقتصر على العرب أم يشمل مكة وما حولها من كافة بلدان العالم؟ يقول العقاد «وأيَّن كان القول في اللغة التي تكلم بها النبي، وفي صلاح هذه اللغة للدعوة العالمية، فإن النوع الإنساني يشمل أم القرى ومن حولها، ولا تعتبر هداية أهلها عزلًا لهم عمن عداهم من الناس، إذ كان خطاب الناس كافة يمنع أن يكون الخطاب مقصورًا على أم القرى ومن حولها، ولكن خطاب أم القرى ومن حولها لا يمنع أن يعم الناس أجمعين، وبعد فكيف يسيغ عقل أن يكون صاحب الدعوة المحمدية خاتم النبيين إذا كانت رسالته مقصورة على قوم لم يأتهم من قبل نذير؟!».

وحول السؤال الذي طرحه سوندرز من أن نزول القرآن باللغة العربية فيه دليل على أنه موجه للعرب دون سواهم يجيب العقاد فيقول: «ولسنا نرى دليلًا على التحرز ولا على الجد في استناد الكاتب لنزول القرآن باللغة العربية لتعزيز حجته على تخصيص الإسلام بمن يتكلمون العربية، إذ كيف كان يريد أن تكون الدعوة أن كانت عالمية إنسانية ولم تكن مقصورة على المتكلمين بلغة الرسول، إنه يمنع بذلك أن توجد في العالم دعوة عالمية إنسانية على الإطلاق، أو يفترض فيمن كان يُرسل بهذه الدعوة أن ينطق بألسنة الناس أجمعين».

ثم يختم العقاد ردوده على سوندرز وغيره من المستشرقين وكل من نحى نحوهم فيقول «إن طائفة من المستشرقين تسيغ ما لا يسيغه العقل في أمر القرآن وأمر الإسلام، ولا نحب أن يشيع لأحد من هؤلاء قول مسموع في العصر الحاضر، لأننا نقرأ لغيرهم من فضلاء الأوروبيين المحدثين صفوة من الآراء السديدة في الإسلام ونبيه، ينزهونها عن الاستعمار والتبشير ما استطاعوا، ويحسنون بها إلى قراءهم وقراء العربية غاية إحسان العالم الأمين على علمه وليس من هؤلاء من يذكر الخليفة الفاروق اليوم فلا يعرف له صفة إلا أنه مستعمر قديم( يقصد سوندرز).

هذا وبعد أن فرغنا من تقديم نموذج لإجابات العقاد وردوده نأتي إلى دور الفيلسوف عبدالرحمن بدوي في تقديم إجاباته على التساؤلات التي أوردناها في مقدمة المقال، ولكنّ نرجئ ذلك إلى المقال القادم إن شاء الله.

يتبع..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الدين

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد