أثارت أحداث تركيا الأخيرة شجون المتباكين على انقلاب مصر الذي تُحيط به الكثير من الأمور الغامضة، وكان الناس يتمنون أن تكون التجربة التركية واقعًا نعيشه الآن في مصر مهللين مكبرين فرحين متظاهرين بأعلام النصر ورايات العزة والفخار، ولكن ما حدث غير ما تمناه الكثير.

والعجب العجاب من مشاهدتي لواقع المتابعين والمعلقين على الأحداث والذي أقف أمامه مستغربًا، هو ما نراه من عادات لا تتغير فينا، فترى الجميع يترك أردوغان وأحداث تركيا ليخرج من هذا بتصريح ظريف أو نكات مضحكة أو تهكمات متتالية على الرئيس المصري محمد مرسي، فهذه عادة العرب دائمًا؛ يقفون في مدرجات المشاهدين المشجعين لغيرهم والمتباكين على حالهم والمتهكمين على أنفسهم.

ولهذا قررتُ أن أعيش اللحظة، وأن أكون كغيري من أصحاب التعليقات الجميلة، وأن أستغل الحدث متهكمًا ومضحِكًا وظريفًا بعض الشيء، فتابعوا نكاتي لعلكم تجدون فيها شيئًا يكون مرجعًا جيدًا لنكاتكم وتهكماتكم.

مرسي الفاشل

نعم هو الفاشل الذي فشل في إسقاط انقلاب علم به قبل وقوعه بأسبوعين، وأردوغان نجح في إفشال الانقلاب حتى الآن في ثلاث ساعات برغم أنه علم به قبل وقوعه بساعةٍ واحدة.

لكن فشل مرسي من وجهة نظري الخاصة يتلخص في التالي:

أولًا: مرسي فاشل لأنه كان يحكم شعبًا نسبة الوعي فيه لا تقل على 99.999 في المائة، ووعي الشعب وقفَ حاجزًا دون وقوع الانقلاب لكن مرسي أصرَّ ضاحكًا وأقسم على السيسي أن يكمل انقلابه لأنه رجلٌ من ذهب.

ثانيًا: مرسي فاشل لأنه كانت لديه مجموعة من الشرفاء في وزارة الداخلية وعلى رأسهم وزير الداخلية الذي قتل أنصار مرسي بدم بارد، لكن مرسي أقسم على شرفاء الداخلية أن يبتعدوا عن المشهد ويتركوه وحده لأن الانقلاب سيحفظ تراب الوطن.

ثالثًا: مرسي فاشل لأنه لم يقم بإقالة طنطاوي وعنان ومئات من القيادات في الجيش، ولأنه يتعامل مع جيش عقيدته الموت في سبيل الله أسمى أمانينا والجهاد سبيلنا، ولأنه نفس الجيش الذي ظل أردوغان يطهر فيه سنوات وسنوات ومع ذلك لم ينجُ من مصيدة الانقلاب على أردوغان سوى قائد الجيش الأول فقط، وباقي الجيوش كانت ضليعة في الانقلاب لولا عناية الله، والمشهد لم يكتمل بعد فما زالت في جعبة الأحداث في تركيا الكثير والكثير.

رابعًا: مرسي فاشل.. لأن لديه جهاز مخابرات اعتاد الانتصارات الدائمة، وكان له السبق دائمًا في حرب المعلومات، وكان عنصرًا بارزًا في انتصارات 1956، وانتصارات 1967، ولن أسمح لأي شخص أن يتهكم على مخابراتنا ولا تنسوا نجاحاتها في مسلسل رأفت الهجان وجمعة الشوان، وبالطبع كانت المخابرات تحقق قسمها في ولائها لمرسي لكن مرسي أعفاها من قسمها هذا وأعطاها الحرية في الانقلاب عليه.

خامسًا: مرسي فاشل لأن مصر تتحلى بخاصية انفرادية لا توجد في أي دولة من دول العالم وهي أحزاب المعارضة التي أتقنت السياسة وأبدعت في ممارستها فخرجت صفًا واحدًا خلف راية واحدة تهتف في كل أرجاء مصر «يسقط يسقط حكم العسكر»، فرأى مرسي وحدتهم وقوتهم في مواجهة العسكر فصدمهم قائلًا «تفرقوا ولا تجتمعوا ودعوا العسكر يحكم البلاد فالعسكر ذهبٌ من ذهب».

سادسًا: مرسي فاشل لأننا نحن المتابعون والمعلقون والمحللون أقنعنا أنفسنا بأوهامٍ لا وجود لها على أرض الواقع، كوهم النُخب السياسية والشعب الواعي والثورة الزاحفة والحزب الأكبر في مصر، وإذا بنا نفاجأ أن النخب موكوسة والشعب الواعي قمة وعيه رقصُ وتطبيل، وثورةُ مسلوبة الإرادة محكومة بسيناريوهات مُحكَمة، وحزبٌ كثير من قادته الآن مختلفين متناحرين وبرغم وساطاتٍ هنا وهناك لم يصلوا حتى الآن إلى طريقٍ واحدٍ يجمعهم كي يقفوا صفًا واحدًا في وجه الانقلاب العسكري.

سابعًا :مرسي فاشل ..لأنه حكم البلاد عشر سنوات متتالية برز لنا فيها ضعفه وقلة وعيه وضعف حكمته وسوء إدارته، ولأنه أخفق في سياسته الخارجية فبان للغرب خطره الذي يهددهم فهرولوا إلى سرعة الانقلاب عليه، ولأنه لم يكن يسعى لتحقيق أي مكاسبٍ داخلية فاجتمع العسكر وقالوا «مرسي فاشل» فلابد من القضاء عليه وإزاحته عن المشهد قبل أن يفشل أكثر وأكثر.

ثامنًا: مرسي فاشل.. لأنه الآن في غياهب السجون، فلماذا تسجن نفسك يا مرسي؟! ولماذا تصر على الشرعية وتصر على الحفاظ عليها حتى ولو كان ثمن الحفاظ عليها دمك وحياتك؟! لماذا لا تعلن لنا نجاحك وتتنازل عن الحكم للعسكر لتخرج وتعيش ملكًا مدللًا منعمًا دون سجن أو مهانة أو تعذيب أو تطاول أو تهكم من الكثير من أنصارك قبل أعدائك، لماذا تصرُ على أن تكون فاشلًا يا مرسي؟!

يا سادة أخطاء الحكم كثيرة، ومراجعات ما حدث أكثر، لكن لماذا تتجه أقلامكم وأحاديثكم وكتاباتكم في اتجاه واحد، وهو أن مرسي فاشل، تعالوا نفترض افتراضًا ضعيفًا أن مرسي نجح في هذا العام الذي حكمه وأن نجاحه كان سبب تعجيل الانقلاب عليه، فهل سيلقى افتراضي هذا قبولًا في نفوسكم، أم أن قناعاتكم تأبى إلا القول بأن «مرسي فاشل».

أخطأ مرسي، لكنه نجح وفشلنا في إقناع أنفسنا بذلك، فجاء انقلاب تركيا ليعلمنا المفاهيم بشكل واقعي، فتعلمنا ما هي الدولة العميقة وكيف أنها برغم تطهير عشرات السنين تبقى مليئة برواسب في «القعر»، هذه الرواسب فعلت بتركيا ما فعلت ولا زالت القصة لم تنته بعد، فما بالكم بدولةٍ كل ما فيها «قعر» مليء بالحقد والسواد والكراهية لكل ما هو إسلامي.

وترقبوا ما هو قادم.. وتابعوا وحللوا.. فالأيام تحمل الكثير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد