الأرجح وخلال أيام لن تطول بعد أن يجدد الرئيس السيسي لنفسه فترة رئاسته الثانية؛ أن يقوم السيسي بتسديد العديد من الفواتير الخطيرة المؤجلة السداد حتى يتم الانتهاء من الاحتيال الرئاسي بأن يستمر السيسي في السلطة، ومن الفواتير المؤجلة السداد محاولة إرضاء الشعب الإيطالي وحكومته فيما يرجع إلي جريمة قتل السلطات المصرية للباحث الإيطالي جوليو ريجيني، وسوف يتوجب على مصر أن تقدم اعتذارًا رسميًا للحكومة والدولة الإيطالية عن مقتل الباحث لنيل درجة الدكتوراة من جامعة كمبيردج جوليو ريجيني، وهي الجريمة التي تمت علي الأرض المصرية في يناير من العام 2016 مع دفع التعويضات المدنية في مثل هذه الحالات التي تتم فيها حماقات أمنية أو مخابراتية، يتم ضبط أجهزة الدولة متلبسة بارتكابها. وسوف تتعهد مصر بتنسيق أمني ومخابراتي، مع تقديم تسهيلات اقتصادية أوسع للشركات الإيطالية العاملة في مصر أو التي كانت تعاني من التعامل مع الفساد في الإدارة المصرية أو التي كانت تجد بيروقراطية مصرية لسبب أو آخر.

لا أبني هذه الفرضية من غير أساس، فهي تنسجم مع سياسة وطريقة تسديد الفواتير التي اعتمدها الرئيس السيسي منذ استولي علي السلطة فهو: قد سدد الفواتير للمملكة السعودية بترك الجزر المصرية الإستراتيجية تيران والصنافير، وهو سدد الفواتير لفرنسا بأن أنعش لهم صناعة السلاح الراكد بشراء الطائرة الرافال منزوعة التسليح وشراء حاملات الطائرات التي بلا طائرات ولا تسليح. وقد سدد السيسي الفواتير لروسيا بإتمام صفقة المفاعلات النووية التي لا لزوم لها وبمنحها التسهيلات في قواعد بحرية وجوية وبمشتريات السلاح للتكديس، وليس للحاجة والاستخدام. وقد سدد السيسي الفواتير لإسرائيل والولايات المتحدة بالتورط فيما يسمي بصفقة القرن والتسليم بالهيمنة الإسرائيلية علي شئون الشرق الأوسط. وكذلك التسليم لدولة الإمارات العربية بمشاريعها لاستنزاف مصر اقتصاديًا وسياسيًا تسديدًا لفواتير خاصة بشخص السيسي. وهكذا كان الحال مع: ألمانيا والصين وأثيوبيا وإيطاليا وإنجلترا.

سياسة تسديد الفواتير السياسية لرئيس الجمهورية من موارد الدولة المصرية هي سياسة ونهج سيجرف الدولة المصرية وسيوصلها للعجز والإفلاس وسوف تنتهي بكارثة لن تضرب النظام وحده، بل ستضرب الشعب المصري والدولة المصرية.

الخطر في نهج نظام السيسي أنه لم يتعلم ولم يستفيد من النهج الذي اتبعه الرئيس عبد الناصر، وكان من نتيجته أن مات عبد الناصر والدولة المصرية مفلسة وأراضيها محتلة ونظامها عاجز عن تدبير شئونها: لقد كان تأملي لحادث محوري و مشابه لقتل أحهزة الأمن المصرية للباحث الإيطالي جوليو ريجيني، والنتائج التي تمخضت عنه: والحادث المشابه هو قتل أجهزة الأمن الناصرية في دمشق للسياسي الشيوعي اللبناني فرج الله الحلو في يوم 26 يونيو حزيران 1959 في أثناء دولة الوحدة المصرية السورية وبواسطة رجال المكتب الثاني (المخابرات السورية) ومديره عبد الحميد السراج هو دافعي للوصول إلى هذا الفرض الذي أطرحه، وهو عدم قدرة نظام السيسي على الاستفادة من الأخطاء التاريخية التى ارتكبتها السلطة الديكتاتورية المصرية بعد تسلطها على الحكم، وما أتوقعه لحادث مقتل الباحث الإيطالي الذي مضى عليه ثلاث سنوات دون حل هو أن تعالجه منظومة السيسي بنفس نهج تسديد الفواتير التي ترتبت على أخطاء النظام من موارد الدولة المصرية وعلى حساب الشعب. ولا أظن أن الاختلاف كبير بين الحادثين: قتل فرج الله الحلو وقتل جوليو ريجيني لا في المعالجة التي كان يتطلبها الحادث الأول ولا في النتائج الخطيرة التي ترتبت على الحادث الثاني.

كان وزير الداخلية المصري مجدي عبدالغفار قد صرح وقت اكتشاف الجريمة: أنه لا صلة له ولا وزارته باختفاء باحث الدكتوراة جوليو ريجيني وقد كذبته السلطات الإيطالية والصحافة الإيطالية، وقد أعلنوا أنه كان على علم ببلاغ رسمي منذ يوم 25 يناير كانون الثاتي 2016 بعد 12 ساعة فقط من اختفاء الباحث، وأن هناك محضر شرطة مصري قد أجرى وسجل واقعة الاختفاء في يوم 25 يناير، وأن اتصالات أجريت من السفير الإيطالي وقتها بكل من وزارة الداخلية ووزارة الخارجية بخصوص هذا الشأن. ورغم هذا فإن الوزير قد قال: إنه لم يعرف بأمر الاختفاء إلا في يوم 27 يناير 2016.

كتبت سابقًا أن حادث مقتل الباحث الإيطالي قد كشف النظام الأمني المصري ومدى هشاشته وعدم تكامل مؤسساته، بل وتعارض عملها وصراعها مع بعضها البعض. واليوم أزيد: أن النظام الأمني المصري ما عاد يخيف أحدًا، لا داخل مصر، ولا من المترديين عليها في الألعاب الأمنية والمخابراتية الخطرة. لقد فقدت السلطة مشروعية إجراءاتها الأمنية والتي كانت تحظى بها لأنها تمارس الحماية عن المجتمع كله من الخطر الداخلي والخطر الخارجي.

لقد سقط أيضًا الإعلام الذي تديره أجهزة الأمن المصرية والذي كاد أن ينجح في أن يصور أن الشخص الذي يلقي مصرعه داخل أقسام الاحتجاز أنه أساسًا وفي جزء من سلوكه مجرم لقي مصرعه (ولو بالتعذيب) نتيجة إجرامه أو ما كان ينتوي أن يمارسه من إجرام تجاه المجتمع والدولة المصرية.

سقط كل هذا وغيره (لم يبق إلا أن تستوعب أجهزة السلطة هذا السقوط)، وأصبح على النظام الأمني أن يقوم فعلًا بحماية المجتمع المصري، لا حماية رأس السلطة ومجموعته. هذا هو الفضل الذي حققه مقتل الأجنبي جوليو ريجيني للمصريين والذي بسببه ضبط النظام الأمني القمعي عاريا أو على الأقل متهمًا بالتراخي والتقصير والإهمال؛ فالنظام في مصر يكاد يكون متهمًا في فضيحة دولية موثقة، لا يمكن الفكاك منها بادعاء البلاهة (كما حاول أن يفعل وزير الخارجية سامح شكري) أو عدم المعرفة بوقوع وكيفية وقوع الجريمة أو بإنكار وقوع الجريمة السياسية.

الآن البعض يسأل خبثًا أو جهلًا: لماذا الاهتمام المستمر إلى هذا الحد في الداخل بقتل الباحث الإيطالي؟ وأنه من الوطنية مناصرة النظام حتى يخرج من هذه المعضلة أو يتم التغطية عليها. وأظن أن هذا السلوك ليس في صالح النظام، ولا في صالح المجتمع، فقد بلغ الأمر من التخبط والسوء أن الكثير من المصريين الآن يختبئون وراء جثة جوليو ريجيني من طيش النظام ومعاداته لكل من يحاول التبصير بأن هناك خللًا سياسيًا وأمنيًا يستوجب التوقف والإصلاح قبل أن تأتي الفوضى الشاملة.

الجرائم تتأسس على الجرائم؛ فلو كان جمال عبد الناصر توقف وعالج انفلات وجبروت أجهزته الأمنية في سوريا في يونيو (حزيران) 1959 ما كان حدث انفصال سوريا عن مصر ودولة الوحدة في 28 سبتمبر (أيلول) 1961، وهو الحادث الرهيب الذي كان نذيره مقتل القيادي الشيوعي فرج الله الحلو في يوم 26 يونيو 1959.

مات فرج الله الحلو مقتولًا بفعل أجهزة المكتب الثاني السوري (المخابرات) رجال عبد الناصر الذين يقودهم عبد الحميد السراج، وادعي القاتلون: أنهم لم يروه ولم يقبضوا عليه، وهم الذين ألقوا القبض عليه وعذبوه وقتلوه، ولكي يتخلصوا من الجريمة دفنوه في ريف دمشق، ولكي يتخلصوا من كل أثر للجريمة قاموا باستخراج الجثة وتقطيعها وتذويبها بالمواد الكيماوية حتى يختفي للقتيل أي أثر في ظنهم. وقام محمد حسنين هيكل في الأهرام وقتها بصنع التغطية الإعلامية على الجريمة، ثم كرر نفس الجريمة في كتابه سنوات الغليان الصادر عام 1989 بعد ثلاثين سنة كاملة من الجريمة الأولى التي شارك فيها، وفي هذه الجريمة السياسية والجنائية، كان جمال عبد الناصر هو القاتل الحقيقي لـفرج الله الحلو؛ فقد كان جمال عبد الناصر هو الذي أصدر أمر حماية النظام لأجهزة الأمن، ولو استدعى الأمر قتل أعداء النظام أو من يعتقد أنهم أعداء النظام.

ٌخلد فرج الله الحلو وتغُني بسيرته وحياته، وكانت ورطة عملية قتله، فضلًا عن أنها جريمة إنسانية بشعة، كانت أيضًا جريمة تاريخية وسياسية، وكانت من ضمن أخطاء أخرى سببًا في ضياع هيبة جمال عبد الناصر في سوريا، وسببًا في ضياع دولة الوحدة المصرية – السورية، وانفصال الدولتين في فجر يوم 28 سبتمبر 1961.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد