لم يتبق سوى أقل من 100 يوم على الانتخابات الرئاسية الأمريكية، والتي من المزمع عقدها في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. ويسعى الطرفان: الديمقراطي «جو بايدن»، والجمهوري «دونالد ترامب»، إلى تعزيز الحملات الانتخابية، في سبيل الفوز بالانتخابات المقبلة، والتي قد تعتبر نوعًا من الاستفتاء على أداء اليمين المتشدد، ليس في الولايات المتحدة فحسب، بل في العالم أجمع، خصوصًا بعد الضربة الموجعة التي تلقاها اليمين بخسارة «مارين لوبان» مرشحة الجبهة الوطنية، في الانتخابات الرئاسية الفرنسية.

وعلى عكس الانتخابات الأمريكية السابقة بين هيلاري كلينتون ودونالد ترامب عام 2016، تبدو المعركة الانتخابية اليوم بعيدة عن المسائل الفرعية (كاستخدام كلينتون لإيميلها الشخصي في قضايا العمل الحكومي والتهرب الضريبي لترامب). الحرب الانتخابية المقبلة، تُركّز على السياسات الموضوعية، وهي اختيار بين العودة إلى النمط التقليدي في إدراة الشؤون الداخلية والخارجية الأمريكية، وبين سياسات ترامب القائمة على الانزواء والعودة إلى الحدود الداخلية.

الرئيس ترامب يتخبط في إستراتيجياته للاستحقاق الانتخابي المقبل، خصوصًا بعد ذهاب جهوده الرامية لخفض معدل البطالة في البلاد وتوفير فرص العمل، ورفع الدخل الفردي، أدراج الرياح نتيجة جائحة كورونا والإغلاق الحكومي الذي أضرّ بالمشاريع الاقتصادية المتوسطة والصغيرة. فهو اليوم يتبع إسترايجيات لم يتم التخطيط لها ولا تعتبر معمقة أو مدروسة من حيث التأثير المستقبلي في الانتخابات المقبلة. حيث تقوم إستراتيجيته الحالية على الاعتماد على إيجاد «لقاح»، ضد فيروس كورونا، يُعيد للرئيس ترامب الأمل بالبقاء ضمن السباق الانتخابي.

ولإدارك عميق منه لعمق أزمة كورونا، اتجه الرئيس لفرض نظرية تأجيل الانتخابات، وترويجه لنظرية الغش في الانتخابات عبر البريد دون تقديم أي دليل على ذلك. وعلى عكس ما فرضته صحيفة «التايمز» البريطانية في تقريرها، من أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يهدف من وراء اقتراحه بتأجيل الانتخابات الرئاسية، إلى صرف الأنظار عن أزمة التوظيف الخانقة التي تمرّ بها الولايات المتحدة، يبدو بأن الرئيس يبحث عن توفير لقاح ضد «فيروس كورونا»، قبل الاستحقاق الانتخابي وهو ما سيضمن له إعادة رصّ صفوف قاعدته الانتخابية من جهة، وكسب أصوات الرماديين (المترددين) من جهة أخرى.

لكن وفي سياق تقييم هذه الإستراتيجية، يبدو بأنّ إستراتيجية الإنقاذ التي يتبعها ترامب اليوم، تصطدم بمعارضة جمهورية – ديمقراطية، لن تسمح بتمرير مشروع تأجيل الانتخابات، خصوصًا في ظل معارضة عمالقة الجمهوريين (زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، وزعيم الأقلية في مجلس النواب، كيفين مكارثي). وأمّا آمال الرئيس ترامب بالحصول على اللقاح قبل نوفمبر، لها مخاطر عميقة ولوجستية، من حيث تأكيد المسؤولين عن العمل على اللقاح، بأن اللقاح لن يتوفر قبل نهاية العام الحالي.

أما على الجهة الإنتخابية الأخرى، متجاهلًا النكات التي يُطلقها الرئيس ترامب ضده من أنه رجل نائم، أو أنه لا يجرؤ على خوض امتحان القدرات العقلية، يبدو بأنّ «بايدن» يسير بخطى واضحة وثابتة نحو بناء إستراتيجية تجمع تناقضات المجتمع الأمريكي، وتسعى للعب على هذه التناقضات لكسب ورقة الدخول إلى البيت الأبيض.

ففي تقرير لها تحت عنوان «داخل فريق السياسة الخارجية الضخم الذي يقدم المشورة لحملة بايدن»، تحدثت فورين بوليسي عن جيش هائل تمّ تشكيله من الخبراء في الأمن القومي والشؤون الخارجية لمساعدة الحملة الانتخابية لبايدن. يتألف هذا الحشد من أكثر من ألفي خبير، موزعين على أكثر من 20 مجموعة عمل، يختص كل منها بموضوع ومنطقة معينة. يقدم هؤلاء الخبراء النصائح المجانية وغير الرسمية لحملة بايدن في الشؤون الداخلية، والدفاع، والحد من التسلح، والشؤون الخارجية والموازنة. ولا يعتبر هؤلاء جزء من حملة بايدن الانتخابية، ولكن تمثل مجموعات العمل هذه، انخراطًا ودمجًا لمجموعة متنوعة من آراء المجتمع الأمريكي، تُؤخذ بعين الاعتبار من المرشح الديمقراطي وحملته الانتخابية.

اختارت مجموعات العمل هذه المواضيع الحساسة وتمّ تقسيمها بحسب المناطق والمواضيع الهامة. فهناك على سبيل المثال مجموعة عمل مختصة بالشأن الفلسطيني – الإسرائيلي، ومجموعة مختصة بالشرق الأوسط، وأخرى بشرق أسيا وجنوبها وأوربا. ومجموعات عمل مختصة بمواضيع العدالة العرقية بعد مقتل فلويد، ومواضيع التغير المناخي وحماية اللاجئين ودمج الأقليات.

وبعيدًا عن مجموعات العمل هذه، ينتهج المرشح الديمقراطي، إستراتيجية قائمة على العودة إلى السياسات التقليدية للحكومة الأمريكية، من دعم للمنظمات الدولية، وتعزيز النفوذ في المناطق التي تغلب عليها «احتمالية النفوذ الصيني – الروسي»، ودعم الحلفاء. ومن جهة أخرى يسعى بايدن كذلك إلى تأمين سماع صوت المواطن الأمريكي «غير المكترث» بالسياسة الخارجية، من خلال طرح خطة دعم الاقتصاد الأمريكي بـ700 مليار دولار. وفي ذات السياق يود بايدن التخلي عن نهج الرئيس الحالي الذي فوّض الأمور الاستشارية إلى «دوائر الموالين» و«الدوائر العائلية»، بحيث يروّج بايدن إلى العودة إلى الهرمية، البيروقراطية، المتخصصة، ومنح آلية صنع القرار لدوائر الأمن الوطني والخارجي.

وأمّا على صعيد الأقليات، فقد تحرك بايدن مبكرًا بين صفوف الأقليات، بحيث تحرك مخاطبًا ودّ المسلمين، ووعد باختيار امرأة من السود كنائب للرئيس (الأنظار تتجه نحو المخضرمة في السياسة الخارجية سوزان رايس).

ختام القول: على الرغم من النجاح الذي حققه الرئيس ترامب في النصف الأول من فترته الانتخابية، من حيث انخفاض معدل البطالة وصعود مؤشرات الاقتصاد الأمريكي وتأمين فرص العمل، إلا أنّ النصف الثاني من ولايته شهد ظهور جائجة كورونا، والتي تسببت ببقائه خلف المرشح الديمقراطي بايدن بأكثر من ست نقاط في الولايات المتأرجحة (ميشيغان، ويسكونسن وبنسلفانيا) حسب استطلاعات الرأي الأخيرة. ولحل هذه المعضلة وفي محاولاته البقاء ضمن السباق الانتخابي، اتجه ترامب إلى وضع كل بيضه في سلة «إيجاد لقاح لكورونا»، وعليه يحاول جاهدًا تأجيل الانتخابات الأمريكية.

أما على الطرف الآخر، يتبع بايدن إستراتيجيات يسارية تقليدية في محاولة منه لجمع تناقضات المجتمع الأمريكي. وعليه يحاول العودة إلى الهرمية البيروقراطية في صنع القرار الأمريكي، ومعالجة الموضوعات الحساسة الداخلية من خلال التركيز على دعم الاقتصاد، ودمج الأقليات، واحترام حقوق المسلمين، والسود، والنساء.

من المبكر الحكم على هذه الإستراتيجيات ونجاعتها، لأن الانتخابات مقررة بعد ثلاثة أشهر، وقد تحمل هذه الأشهر مفاجآت للطرفين لم تكن في الحسبان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد