ساعات قليلة كانت كافية لطالبان للسيطرة على أفغانستان وعاصمتها كابل في مشهد أعاد للأذهان ماحصل عام 1996 بعد أن قررت أمريكا الانسحاب الكلي منها وتركها لتواجه مصيرها .

لم يكن الأمر صدفةً بل هو اتفاق تم بين أمريكا والحركة في قطر أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي بعد لقاء وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو بوفدٍ من طالبان على هامش المفاوضات التي جرت بين الحكومة الأفغانية وطالبان برعاية أمريكية .

مشاهد الفرار من كابل طغت على مشاهد الاجتياح والعالم يشاهد والصدمة هي السمة الطاغية على المشهد، طالبان اجتمعت وفاوضت أغلب الدول الإقليمية والدولية بعد مفاوضات الدوحة، وأعدت العدة للعودة للحكم وأطلقت تصريحاتها ووعودها للعالم والشعب الأفغاني بأنها اليوم تختلف عن طالبان القرن الماضي .

مشهد الانسحاب الامريكي السريع وغير المسؤول والفوضى العارمة التي خلفها هذا الانسحاب من أفغانستان دفع الكثير من المحللين والمهتمين بالسياسة الأمريكية إلى الكلام عن الانسحاب من العراق والذي اتفق عليه رئيس الوزراء العراقي والرئيس الأمريكي خلال اجتماع الحوار الإستراتيجي الذي انعقد في واشنطن في السادس والعشرين من يوليو (تموز) الماضي . فهل ستنسحب أمريكا من العراق على غرار مافعلت في أفغانستان وماذا سيحصل لو تم الأمر فعلًا بالطريقة نفسها .

بالتأكيد الوضع في العراق مختلف كثيرًا عن الوضع في أفغانستان , فالعراق بلد نفطي بالدرجة الأولى ويتمتع بموقع مهم في الشرق الاوسط إضافة إلى أن الوضع في العراق أكثر حساسية خصوصًا مع تهديد المليشيات التابعة لإيران للسلطة في العراق، وقد سبق لهذه المليشيات أن هددت بالانقلاب على الحكم كما حصل في اليمن .

إن وجود القوات الامريكية في العراق هو مايمنع تلك المليشيات من الإطاحة بالعملية السياسية بأكملها في العراق وإعلان استيلائها على الحكم، لكن هنا يجب أن نعلم ان هذه المليشيات ليست متفاهمة فيما بينها مما ينذر بحرب أهلية تأكل الأخضر واليابس , وأمريكا تعلم ذلك جيدًا وتعلم أن عليها كبح جماح تلك المليشيات وتحييدها قبل التفكير بالانسحاب الكلي من العراق . أو تسليم العراق لها كما فعلت مع طالبان وهو ما يخيف العراقيين الذين ينزحون تحت وطأة هذه المليشيات والتي باتت تتحكم في كثير من موارد العراق وتهدد أمنه وسيادته .

أمريكا تعلم أن هذا الامر بيد إيران , فإيران هي المحرك الأساس والداعم الأول للمليشيات العراقية والتي تدين بالولاء عقائديًّا للمرشد الإيراني علي خامنئي، وبالتالي فهي تستخدم تلك المليشيات للضغط على أمريكا، فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني وملف الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة وهذا الملف بالتحديد هو موضع الخلاف الحالي بين إيران وأمريكا .

الرئيس الأمريكي يعلم تمامًا أن مواجهة هذه المليشيات يعني مواجهة إيران وهو أمر لا يريده بايدن المعروف بسياسته الانبطاحية إن صح التعبير تجاه إيران خاصةً، فقد فعل عكس ما كان يريده سابقه الجمهوري وعاد للمفاوضات، وسمح برفع بعض العقوبات عن إيران وما زال يقدم التنازلات لنظام ما انفك يهدد كل جيرانه والعرب بشكلٍ خاص من خلال نشر الإرهاب والفكر الهدام للمجتمعات العربية .

لذلك على الدول العربية وخصوصًا العراق أن يستعدوا ليومٍ مشابه ليوم 15 أغسطس (آب) وقد يحصل نهاية العام الجاري حسب ما اتفق عليه بايدن والكاظمي وعليهم أن يوحدوا موقفهم من هذا الانسحاب قبل أن يرتكب بايدن المزيد من الحماقات ويسلم العراق لمليشيات إيران على طبق من ذهب ويومها سيكون من الصعوبة التصدي لهم .

وعلى العراقيين تحديدًا أن يكونوا يقظين وأن يحافظوا على ما تبقى من وطنهم قبل أن تبتلعه مليشيات إيران بالكامل وينتهي العراق إلى الأبد .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد