الحداثة العربية

يتكرر ترديد لفظة المغرب الحداثي في وسائل الإعلام كلما تعلق الأمر بورش بنائي ضخم، أو بوسيلة مواصلات أكثر سرعة من سابقاتها، وهنا يطرح سؤال: هل فعلًا وصلنا إلى الحداثة؟ وما الحداثة؟

لا تكمن الحداثة أبدًا في استعمال الوسائل الحديثة من هواتف ذكية وطائرات، وآلات التهوية والتبريد والتكييف.. ولا حتى في القطار فائق السرعة، حقًا تلك أشياء من نتاج الحداثة، لكن لنكن أكثر صراحة مع أنفسنا، أو أكثر وقاحة إن استدعى الأمر، ونعترف أننا لم نكتف إلا بالاستيراد والاستعمال موهمين أنفسنا بأننا شعوب حداثية، التكنولوجيا تخول لنا المساواة مع الدول الحديثة في فعل استهلاك فقط، لا في الحداثة ذاتها.

الحداثة سؤال فكري بامتياز، وقد لقي هذا السؤال العام والشاسع اهتمام العديد من المفكرين، كمحمد عابد الجابري، وعبد الله العروي، ومحمد سبيلا، وعلي حرب محمد الشيخ، ومفكرين آخرين، كل نظر إلى الحداثة من منظور مختلف، ومن زوايا متعددة، لكن المتفق عليه بين جل المفكرين هو أن فعل التحديث يمس البنية الفكرية أولًا.

تعتبر حداثنا العربية حداثة معطوبة وعطبها مركب بالفعل، حيث يستدعي تشخيص العطب تفكيك بنية العقل العربي لمعرفة مكامن الخلل، العقل لا باعتباره ملكة ثابثة موجودة مسبقًا، كلية الحضور، بل العقل – بالمفهوم الذي حدده نصر حامد أبو زيد – كونه آليةً فكريةً، وإجراءات منهجية، وممارسات يمكن أن توصف بالعقلانية أو المعقولية.[1] فما يمكن القبض عليه كعينة لدارسة بنية العقل العربي، هو سيرورة الممارسات الفكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية. لا يهمنا في هذا السياق دراسة آليات اشتغال الممارسات العقلانية، بقدر ما يهمنا التفريق بين منجزات ومكاسب الحداثة وبين التحديث كفعل.

قطع العالم الغربي مسيرة ليست بالقصيرة في طريقه إلى الحداثة، بدءًا من عصر الأنوار الذي حمل مشعل أفكار جديدة مستنيرة، حققت إبدالًا جذريًا غير ما كان سائدًا، فهم التغير بداية البنى الفكرية للإنسان، لينعكس فيما بعد على واقعه وحياته. تغير من إنسان كان يشتري صك الغفران، لإنسان مشبع بقيم الحداثة والحرية والديمقراطية والوعي النقدي، وبقيم أخرى سليلة الثورة الفرنسية. صحيح أن الأفكار والنظريات تهاجر، لكن التحديث كفعل، أعمق من أن يستورد أو يحاكى. وهذا ما ذهب إليه المفكر المغربي محمد عابد الجابري حيث ينطلق في تصوره للحداثة على أنها (من جهة حركة تاريخية كونية، ومن جهة أخرى بنية فكرية مكوناها الأساسيان هما: العقلانية، والديمقراطية، وهذان المكونان في نظره ليسا بضاعة تستورد، بل إنهما يتطلبان ممارسة منظمة وخاضعة لقواعد، أي يتطلبان ويفترضان ويشترطان ثقافة نظرية، وكذلك ثقافة عملية أو ممارسة. فالديمقراطية والعقلانية ليسا فقط مقولات فكرية أو نظرية، بل إنهما يكتسبان قيمة ودلالة فعلية في الممارسة[2].

من هذا المنطلق وجب إعادة النظر في الممارسات المتعلقة بالشأن الثقافي، والتركيز على تكوين الفرد بدل إنشاء المؤسسات، وكأن الوزارات الوصية على قطاع الثقافة والفن والأدب، تختزل مهامها في إنشاء المؤسسة لا غير، يكاد الأمر لا يخلو من محاكاة لمجتمعات حداثية، فأمام هذه الميزانيات الهائلة التي تصرف لهذا الغرض أصبح لدينا زخم من المؤسسات، أصبح لدينا المركبات الثقافية ودور الشباب، ودار الثقافة أيضًا، ولدينا المقاهي الأدبية وقاعات الندوات، والمكتبات وتلك المؤسسات التي تنجز تحت اسم التنمية البشرية، وكذلك الخزانات التابعة لمجلس المقاطعة وللمجلس البلدي. والمكتبات التابعة للمعاهد في مختلف التخصصات، والمكتبات العمومية والوسائطية.. ويقابل هذا الزخم في المؤسسات مديرين يعوزهم التكوين لتوجيه شراع المؤسسة نحو الهدف الذي أنجزت من أجله. فبدلًا عن أن تقوم هذه المؤسسات بأدوار طلائعية لتنمية الفكر والثقافة تقوم بالعكس.

وختامًا يدرك المتأمل في الوضع الراهن أننا نبتعد يومًا عن يوم عن التفكير في فعل الحداثة مع الاستيلاب التكنولوجي الذي حل بالشعوب العربية، وجعلها مطمئنة للجاهز مهملة تكوين الفرد، بل حتى إنه أفقدها القدرة على السؤال على المساءلة، على تأمل الواقع، قتل وعيها النقدي، وجعلها تسقط في براثن الإرهاب والتخلف. مسيئة لماضيها حاضرها ومستقبلها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

من هنا مر نيوتن
منذ 9 ساعات
أبحاث ودراسات
المناعة «النفسية»
شارك 75
منذ 6 أيام
أبحاث ودراسات
مقدمات (1).. العَلمانية
أبحاث ودراسات
منذ أسبوع
غدير الوهم
أبحاث ودراسات
منذ أسبوع