من منطلق أن المجتمع وما يحويه من قيم معنوية مرصوصة داخل مصطلح ثقافة، وحيث الثقافة هي مظلة تحوي تحتها الأعراف، والعادات والتقاليد، والدين، والقيم والأخلاق، فهي -الثقافة- مجرد بناء فوقي للمجتمع، وإذ تتأثر بالبناء الاقتصادي التحتي، فهي انعكاسات اقتصادية لما يمكن أن نسميه مجتمعًا.

من هنا، يتأثر الفِكر بطبيعته بالعلاقات الاقتصادية الموجودة داخل المجتمع، فحيث يكون المجتمع صناعيًّا مليئًا بمظاهر التكنولوجيا، يكون الفرد في مستوى فكري أعلى من نظيره في مجتمع زراعي يزرع البصل، مثل الكاميرون.

فإن كان الفِكر متدني المستوى لا يصل مداه الأفقي والعمودي إلا إلى قشور الأمور في أي مجتمع؛ يسطو وحش العُرف على المُجتمع، ويصبح دينًا مزوّرًا في لباس الدين – أي دين-  ويتفنن في لبس قناع الشريعة في مجتمعات خلت من أي شريعة، إلا شريعة الأعراف.

فيبدو أن أحد أسباب التدهور الفكري في دول العالم الثالث هو نفسه التدهور الاقتصادي؛ فالواقع انعكاس لأفكارنا، وهناك علاقة سببية بينهما، أرى أن هناك علاقة وطيدة بين العُرف المُفرز بين الناس وجعله قانونًا، والاقتصاد في هذه الدول التي انحبست جغرافيًّا وراء مضيق جبل طارق قبل أكثر من 500 سنة. فقد العرب سباق الحضارة لأنهم لم يكونوا في المضمار من أساسه، حينما كان الأوروبيون يغامرون لاستكشاف الجزر العذراء في المحيط انتهاء باستكشاف القارتين الأمريكيتين على يد فيسبوتشي أمريكو، كان العرب في خلافات مذهبية وعرقية، بالنسبة لسباق الحضارة، فهذه المشكلات التي عصفت ببلاد المسلمين كانت عاملًا مُشتتًا للانتباه، وحينما كان الأوروبيون يركبون البحر إلى وجهة مظبوطة، وعنق لا تلتوي للوراء إلى خلافات حدثت قبل أكثر من ألف سنة.

فقد العرب زمام المبادرة وجمع الأوروبيون ثروات كبيرة، وأوجدوا حروبًا فيما بينهم سرّعت وتيرة التكنولوجيا، من سيف تحمله يد ودرع تحمله الأخرى، إلى بندقية يمكنها قتل العشرات في ثوانٍ معدودة، تقدم تكنولوجي فتك بالمماليك في مصر بسرعة البرق، تكديس رأس المال هذا أوصل الأوروبيون إلى الثورة الصناعية، قلت نسبة البطالة، وقلت سطوة العُرف الذي لا يزدهر إلا في كنف الاقتصاد الريعي. اقتصاد الدول العربية الذي فشل حتى في الوصول إلى ثروة زراعية محترمة.

تسارع المعيشة في أوروبا، بفعل رأس المال والتجارة، لم يترك لأحد ولا لظروفٍ الوقت المناسب لنسج عرف سيدمر الجيل القادم تحت غطاء دينٍ، لم نعد نعرف منه إلا الشعائر القليلة والإسرائليات الكثيرة، وانعدام رأس المال هذا لم يسمح بإنشاء مؤسسات تعليمية مخصخصة؛ لغياب رأس المال، ولتبني العرب لحمى الشيوعية من القائد المُفدى فلاديمير لينن.

ولأن الدين لصيق بالدولة كالتصاق الظل بصاحبه، فقد قُدمت مناهج بصبغة دينية خالية من الدين نفسه، ومليئة بأعراف قريشية تختزل قيمة الإنسان في أعضائه التناسلية وفي عدد الركعات التي يصليها.

معادلة من شأنها وضع الإنسان في الدول العربية في معادلة بعيدة جدًّا عن عصر النهضة وروح الفِكر الحر، وأي حرية؟ وأفكارنا أساسًا رهن لما يقول الناس تحت شريعة الأعراف، فكلام الدهماء هنا يُصبح قانونًا رائجة تجارته، تجارة وصف فيها ابن سينا  الدهماء بطبقةٍ تتقدم المجتمع أيام الفوضى، وتدفع التكنوقراط إلى الوراء.

نحن في أشد الحاجة لرأسمالية لا ترحم الإقطاع والثيوقراط، ولا ترحم حتى الفقير حتى يصبح غنيًّا وإن فعل، فالرأسمالية تتكفل بحمايته في شرعِ البقاء للأغنى.

سيظل العُرف من إفرازات الإقطاع، وإفرازات قشور الأديان، وسطوة الدهماء، وبطالة البروليتاريا، وهجرة العقول الممتلئة علمًا والمُفلسة جيبًا.

يُتبع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد