درس معظم وزراء حكومات الزعيم الحبيب بورقيبة بعد الاستقلال بالجامعات الفرنسية. وقد كانت هذه النُّخب على يقين تام بالتجربة الديمقراطية الفرنسية. فكان من الجدير بها التمسك بتكريس مبادئ النظام الديمقراطي في تونس بعد نيل الاستقلال وخاصةً عند إعلان النظام الجمهوري بديلًا عن الملكية في 25 يوليو (تموز) 1957.

وتطرح مسألة الديمقراطية في نظر الزعيم الحبيب عديد الإشكاليات لعل أبرزها تمسكه برفض كل قيم الديمقراطية في تونس المستقلة. ولكن ذلك الرفض لم يكن أمرًا اعتباطيًّا طيلة حكمه من 1956 إلى 1987.

وتوجد الكثير من الدوافع التي تفسر معارضة الرئيس بورقيبة تكريس مبادئ الديمقراطية في الدولة الوطنية الحديثة.

_ صعوبة ممارسة الديمقراطية في ظل انتشار الجهل :

و تأتي مسألة النضج الديمقراطي في طليعة هذه الأسباب، فقد عبَّر الرئيس الحبيب بورقيبة عن ذلك في كثير من المناسبات في خطبه خاصةً، قائلًا: «لا أعتقد أن الوقت ملائم للحديث عن الديمقراطية في مفهومها المطلق، فالمجتمعات العربية همشت مفكريها وعلماءها الحداثيين لحساب شيوخ توقف بهم الزمن قبل أربعة عشر قرنًا، وهو الفارق بيننا وبينهم. .. لذا وجب العمل على نشر ثقافة أكثر واقعية، يكون فيها للعلوم الحديثة مكان أوفر، فلو طلبنا من الشعب التونسي إجراء استفتاء عن موقفه من تعليم المرأة، فسأجزم أن 99.99 % سيرفضون تعليمها». وهكذا يتبين لنا في هذا السياق أن بورقيبة كان يعتقد أن الشعب التونسي غير مؤهل لممارسة الديمقراطية بسبب تفشي ظاهرتي الجهل والتخلف. فبالنسبة له لا يمكن لأي شعب أن يبلغ مرحلة النضج الديمقراطي في ظل غياب الانتصار عن الخرافات والأوهام والجهل التي طغت على البلاد التونسية منذ حكم البايات الحسينيين. وقد حملهم ذلك عند إعلان النظام الجمهوري يوم 25 يوليو 1957.

و علاوةً على ما تقدم، كان المجاهد الأكبر يرى أن الحرية التي تعد من أبرز مبادئ الديمقراطية قد توفرت لكل تونسي باستقلال وطنه من الاستعمار وتونسة كل دواليب الدولة (الجيش، الأمن والعملة…)، إضافة إلى إرساء مسار يؤدي إلى عدالة اجتماعية متطورة ومستمرة. وبذلك لم يكن يعتقد أنه يمكن للتونسيين أن يكونوا في حاجة إلى أي شكل آخر من أشكال الديمقراطية.

_ الاستبداد المستنير بدلًا من الديمقراطية

و من جهة أخرى كان الزعيم بورقيبة يتصور أن الديمقراطية دون علم ودراية يمكن أن تعرقل مسيرة تحرير المرأة التونسية فقد ردد ذلك قائلًا: «سأفرض حرية المرأة وحقوقها بقوة القانون. ولن أنتظر ديمقراطية شعب من المنخدعين بالثقافة الذكورية باسم الدين». وهكذا يتبين لنا أن الديمقراطية بمفهومها المطلق قد تعرقل مسيرة تحرير المرأة؛ إذ كان يعتقد أنه لو وقع عرض مجلة الأحوال الشخصية التي صدرت في 13 أغسطس (آب) 1956 على الاستفتاء سيتم رفضها بأغلبية ساحقة في ذلك الوقت.

و إلى جانب ذلك، كانت هناك أولويات أخرى يجب التركيز عليها قبل مسألة تكريس الديمقراطية والتي تتمثل في خلق تماسك حقيقي للشعب التونسي وهذا لا يمكن تحقيقه إلا من خلال تكريس التنمية وقيم العدالة الاجتماعية؛ لأنه يرى في ذلك إعادة لبناء مجتمعٍ راقٍ وقوي يجلب له احترام القوى العالمية العظمى. ومن أهم الدوفع الأخرى التي تفسر غياب مسألة الديمقراطية في الفكر السياسي البورقيبي؛ هو رغبة الزعيم والمجاهد الأكبر في بناء دولة متحررة ومتحدة ضد التشرذم القبلي والتشتت الجهوي والصراعات الاجتماعية والسياسية. كما ظل الزعيم الحبيب بورقيبة متمسكًا بفكرة الاستبداد المستنير بديلًا جديدًا عن النظام الديمقراطي؛ إذ وضع عدة شروط لتحقيق الديمقراطية في تونس المستقلة؛ إذ كان يعد أي مواطن يعارض الحكومة خائنًا. كما كان يعد في مناسبات كثيرة أن الديمقراطية لا يمكن أن تحقق دون الرقي والتقدم لذلك كان يرى أن شروط تكريس نظام ديمقراطي شبيه بالنظام الديمقراطي في الدول الأوروبية غير متوفرة في البلاد التونسية.

– هل الديمقراطية داخل الحزب الحاكم هي الحل؟

و من جهةٍ أخرى ظل الزعيم بورقيبة متمسكًا بمبدأ الديمراطية داخل الحزب الحاكم، فهو يعدها الوحيدة المناسبة للشعب التونسي. وإن المتتبع لمواعيد انعقاد مؤتمرات الحزب الحر الدستوري الذي تغيرت تسميته إلى «الحزب الاشتراكي الدستوري» منذ سنة 1964 طيلة حكم الرئيس بورقيبة؛ يلاحظ أن أعضاء مكتبه التنفيذي يقع انتخابهم من قبل المؤتمرين، حتى وإن وقعت بعض التجاوزات في هذه الانتخابات. كما لا يمكن في هذا السياق أن نتغافل عن ظروف انعقاد مؤتمر الحزب في مدينة صفاقس من 15 إلى 19 نوفمبر (تشرين الثاني) 1955، هذا المؤتمر الذي حسم مسألة الخلاف اليوسفي_البورقيبي وانتصر فيه المؤتمرون للشق البورقيبي. في المقابل وقع طرد صالح بن يوسف من الحزب بعد تغيبه عن المؤتمر ورفضه الحضور بمدينة صفاقس. إن انعقاد مؤتمر في تلك الظرفية المتأزمة لا ينفي أبدًا غياب الديمقراطية داخل الحزب الحر الدستوري الجديد «الديمقراطية داخل الحزب الوحيد» التي عدها بعض الدستوريين بديلةً عن الديمقراطية بمفهومها الشامل.

كما رفض المجاهد الأكبر تفعيل آليات الديمقراطية بمفهومها الشامل خوفًا من وصول تيارات الإسلام السياسي إلى السلطة بوصفها حركاتٍ رجعية تمثل خطرًا على الوطنية الحديثة ولعل أبرز دليل على صحة تصورنا قوله : «هم يناضلون لقطع الأيادي والرؤوس، ونحن نناضل لتبقى الرؤوس شامخة والأيادي مرفوعة».

و علاوةً على ذلك بعث المناضل النقابي أحمد التليلي من منفاه الاختياري رسالةً في 25 يناير (كانون الثاني) 1966 إلى رئيس الدولة والحزب الحاكم الزعيم بورقيبة تطرق فيها إلى الأزمة السياسية والاجتماعية التي تمر بها البلاد التونسية، وكانت رسالة أحمد التليلي بمثابة أنشودة للحرية وللديمقراطية، لكن الرئيس لم يعطيها أي عناية وبعد تلك الرسالة بسنوات قليلة وقع تعديل دستور غرة يونيو (حزيران) 1959 وأصبح منذ ذلك التاريخ بورقيبة رئيسًا لتونس مدى الحياة. وفي ذات السياق عد بورقيبة تلك الرسالة تهديدًا له وأصبح رفيقه السابق أحمد التليلي عدوًا له. وكتب المناضل التليلي تلك الرسالة بعد 15 شهرًا من انعقاد مؤتمر المصير للحزب الاشتراكي الدستوري. وإن خير دليل على تمسك الزعيم الحبيب بورقيبة بالديمقراطية داخل الحزب الحاكم هو حل الحزب الشيوعي الذي كان الحزب المعارض الوحيد في البلاد من سنة 1956 إلى سنة 1963، فقد انتهز الرئيس بورقيبة محاولة الانقلاب التي نفذها الأزهر الشرايطي ورفاقه ضد النظام البورقيبي لحظر الحزب الشيوعي من كل نشاط سياسي وذلك من أجل التفرد بالحكم.

ووقعت خلافات شديدة بين كلٍّ من الرئيس بورقيبة وأحد وزرائه المقربين الأستاذ أحمد المستيري حول تفعيل مبادئ الديمقراطية في تونس المستقلة، أدت إلى طرد المستيري من الحزب نهائيًّا سنة 1971 ومن البرلمان سنة 1973. وقد أسس هذا الأخير حزبًا معارضًا للزعيم بورقيبة تحت اسم «حركة الديمقراطيين الاشتراكيين» ولكنه ظل متمسكًا برفضه للمعارضة وقال حرفيًّا: «المعارضة كانوا وزراء عندي، سي أحمد المستيري كان وزيرًا عندي».

و كان الرئيس بورقيبة يستخدم دائمًا التخويف والترهيب من أجل بث فكرة مساوئ الديمقراطية في مجتمع لم يبلغ مرحلة النضج الديمقراطي وردد هذه الفكرة في خطابه قائلًا: «إذا تسرعنا في الأخذ بالديمقراطية على أوسع معانيها نكون قد ألقينا بأنفسنا إلى التهلكة». كما كان يعدد بورقيبة في عديد من المناسبات مخاطر تكريس قيم الديمقراطية وبيَّن أنها لم تكن الهدف الذي ناضلت من أجله الحركة الوطنية التونسية غداة الفترة الاستعمارية؛ بل كانت غايتها الأساسية تحرير البلاد من هيمنة المستعمر، وبناء دولة وطنية عصرية وحديثة. وإن كانت الديمقراطية خطيرة إلى هذا الحد في الفكر السياسي البورقيبي يجب علينا التساؤل عن مساوئ التفرد بالحكم طيلة ما يفوق العشرين سنةً في تونس المستقلة؛ إذ عرف النظام البورقيبي في بعض الفترات العديد من الانزلاقات السياسية لعل أهمها إضراب 26 يناير 1978 عندما نشب الخلاف بين السلطة والاتحاد العام التونسي للشغل، وكان من بين أسباب ذلك، خلافة الزعيم بورقيبة على رأس الدولة والحزب. إضافة إلى ذلك شهدت البلاد في أواسط الثمانينيات أزمة سياسية أخرى سميت بـ«أحداث الخبز» اندلعت في 3 يناير 1984 بالرغم أن أسبابها كانت اجتماعية، ولم تكن سياسية بالأساس. فقد سمح في تلك الفترة أي فترة الوزير محمد مزالي بتعددية حزبية محدودية جدًّا؛ إذ تم رفع التجميد عن الحزب الشيوعي، وتم منح حركة الديمقراطيين الاشتراكيين تأشيرة العمل القانوني ولكن هذه التجربة لم تستمر طويلًا بعد إجراء أول انتخابات تشريعية سنة 1981.

و خلاصة القول، لم يكن رفض الزعيم وأول رئيس للجمهورية التونسية الحبيب بورقيبة اعتباطيًّا، بل كان هذا الرفض تحكمه دوافع كثيرة في ذلك الوقت؛ إذ كانت عديد المعارك تتطلب أولوية قصوى قبل تفعيل الديمقراطية بالبلاد، وهي محاربة الجهل والفقر والقضاء نهائيًّا على التعصب القبلي وكذلك تحقيق التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية بوصفهما من مقومات بناء مجتمع متماسك وموحد ضد الفتنة وكل مظاهر الانقسام.

و إن الديمقراطية كفكر متجذرة بعمق في المخيال التونسي؛ لكن الظروف لم تكن متوفرة بالقدر الكافي لوضع آليات تفعيلها وتطبيق بنودها والالتزام بمبادئها فقد كان الرئيس بورقيبة آنذاك يخشى أن تتحول الديمقراطية إلى فوضى وتناحر بين مختلف فئات الشعب التونسي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد