إن من أحكام الإسلام ما يرتبط بالفرد ومنها ما يرتبط بالمجتمع، إذ لا يستقيم الفرد السقيم بالمجتمع الصحيح، ولا يستقيم الفرد الصحيح بالمجتمع السقيم. فالنهي عن الشرك بالله وشرب المسكرات وأكل لحم الخنزير وإضاعة الصلاة والإفطار في رمضان هو مما يتعلق بالفرد تعلقًا مباشرًا، أما النهي عن القتل والربا والزنا والسرقة وأكل مال اليتيم والغيبة والنميمة والكذب فهو متصل بالمجتمع اتصالًا مباشرًا. ومعنى هذا الذي نقول: إما أن تكون عاقبة فعل النهي واجتناب الأمر على الفرد أو تكون على المجتمع.

هل الحجاب من الأحكام التي ترتبط بالفرد أم بالمجتمع؟!

«إنه لا يرتبط بالفرد إذ ليس خلعه بفعلٍ شنيع يضرني، ولا يتعلق بالمجتمع إذ إنني حرة ولا أضر غيري أو أرتكب جرمًا بعدم ارتدائه، وبالتالي فهو ليس حكمًا شرعيًا بل مما جرت عليه العادة» هذا ما تبرره لنفسها غير المتحجبة وهذا ردي على تبريرها: إن من الأخلاق ما ترتبط بالرجل ارتباطًا وثيقًا ومنها ما يرتبط بالأنثى ارتباطًا شديدًا، فالشجاعة والتضحية والكرم والإيثار مطلوبين عند كلا الجنسين، لكن لا أحد ينكر أنهم بالرجل أولى وألزم، أما الحياء والعفاف والاحتشام فهم رغم أن كلا الجنسين مطالب بهم، فهم بالأنثى أولى وألزم.

ولا يمكن لعاقل أن يحصر الحياء والعفاف والاحتشام بلبس الحجاب، فيصف كل من تلبسه بالصفات التي ذكرت، ويجرد كل من تخلعه من الصفات ذاتها. ولكنه ينطوي على قدر كبير من تلك الصفات، ومن هنا كان ارتباطه بالفرد.

أما ارتباطه بالمجتمع، فمن المعلوم بداهةً –وعلمًا– أن الرجل إنما يُثار بالبصر وإنما تُثار المرأة بالسمع واللمس، لذلك يندر أن ترى رجلًا يشتكي من زوجته عدم إسماعها له الكلمات الغرامية، بل يشتكي منها عدم اهتمامها بملابسها أو شعرها أو ما شابه. وكذلك قلما تجد امرأة تشتكي من زوجها عدم ارتدائه ملابس جميلة أو تصفيف شعره، بل تشتكي منه عدم محادثته لها كلامًا رقيقًا وإبقاء مشاعره مكتومةً دون إفصاح. لذلك إذا أردنا مجتمعًا سليمًا فلابد من ارتداء المرأة للحجاب لقطع الطريق على العازب من الوقوع في الزنى وعلى المتزوج من نبذ زوجته والزهد فيها، وكذلك فلا بد من كتم أفواه الذكور عن أحاديث يقصد من ورائها إيقاع الفتيات واللعب بعواطفهن وابتزازهن في أغلى ما يملكن.

والآن، هل الحجاب يخفي جمال المرأة؟!

قبل الإجابة عن هذا السؤال، علينا أن نسأل عمّن يكون الإخفاء؟ إن الإخفاء يكون عن كل من ليس من محارم المرأة وبالتالي ليس له أهمية، بحيث تجعلها تكشف عن جزء من جسدها ليراه ويقر بجماله! وهي ليست مطالبة بإظهار جمالها للغادي والرائح وإنما حجبه، وهذا واجبها تجاه نفسها وتجاه المجتمع، وقبلهما تجاه الذي بيده ملكوت السموات والأرض.

إن قولنا إن الحجاب يخفي جمال المرأة هو كقولنا إن عدم إيقاع الشاب بالفتاة واللعب بعواطفها عن طريق الكلام المعسول يخفي بلاغة كلامه وقوة بيانه! فالأول واجبها تجاهه لخلق مجتمع سليم، والثاني واجبه تجاهها لذات الغرض وهو أن نخلق مجتمعًا صحيحًا نظيفًا لا يكون الشاطر فيه من يفتن الآخر ويوقعه.

إذن مما سبق ندرك أني لم أقصد أن ترتدي الفتاة حجابًا لتغطي شعرها، في حين ترتدي بنطالًا أضيق من مقاسها بعدة نمر! وتضع مكياجًا ملفتًا لنظر من يراها على بعد 100 متر! وإنما قصدت أن يكون الستر والاحتشام منهجها، فتراعي أن تكون ملابسها لا تكشف ولا تصف ولا تشف ولا تلفت الانتباه. ومن تبرر إظهارها كامل مفاتنها عن طريق المكياج والملابس الضيقة والملونة والكاشفة عن جزء من جسدها بأن «الله جميل يحب الجمال»، فلتعلم بأن الجمال الذي يحبه الله يكون فيما أباحه لعباده لا فيما نهاهم عنه، وهو في الملابس بأن ترتدي ثوبًا نظيفًا مكويًا مرتبًا.

أخيرًا، سيكون هنالك من قرأ مقالي دون أن يعيه إذ دخل عليه وهو يريد أن يقرأ ما يوافق شهوته لا ما يخالفها، وهذا من لم أخاطبه في مقالي ولا أرجو له هداية، إذ اتخذ من هواه إلهًا، فهو مستعد في سبيل اتباع هذا الإله والتهرب من أمر الله تأويل النصوص القرآنية على غير سياقها ونسف الأحاديث الصحيحة، إذ أصبح ما يخالف هواه كجبلٍ جاثمٍ على قلبه فهو لا يريد إلا التخلص منه وإبعاده عن تفكيره، وذلك إرضاءً لضميره!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد