في هذه الأسطر أود أن أوضح أن ما تمر به المنطقة أمر طبيعي جدًا بل وصحي، فما نعيشه في المنطقة العربية والخليجية كان لا بد له أن يحدث عاجلًا أم آجلًا، كان لا بد من تحريك المياه الراكدة سياسيًا، فقبل الثورات العربية كانت الأمور مستقرة وتسير بوتيرة هادئة نحو مزيدٍ من الاستبداد والقمع والتخلف والتراجع على مختلف المستويات، ثم أرادت الشعوب نفض الاستبداد وإحداث تغيير اجتماعي وسياسي واقتصادي جذري، ولكن الاستبداد كانت جذوره أقوى فعاد بثورات مضادة البعض منها انتصر والبعض ما زال يخوض معارك ضارية لاسترداد ماضيه، وفي هذه الأجواء المحمومة وغير المستقرة ظهرت داعش وما شاكلها من جماعات عنف مستبدة سياسيًا واجتماعيًا مدعومة عربيًا أو غربيًا، وبدا الصراع السني الشيعي على أشده، وتدخّلت قوى خارجية للحصول على الغنائم وحماية مصالحها في المنطقة المتوترة.

والآن ومنذ قيام الثورات العربية كانت جماعة الإخوان المسلمين تفرض نفسها أو يفرضها المجتمع بوصفها بديلًا للأنظمة السابقة، ومهما كانت السلبيات والأخطاء التي وقعت فيها الجماعة ومهما كانت أهدافها الظاهرة أو الخفية وأهداف قادتها وأهداف من يتولون حمايتها، إلاّ أن وجود قوى مضادة للأنظمة المستبدة هو أمرٌ صحيّ وجيد لإحداث حراك سياسي مستمر في المنطقة، بدلًا من المذهب الواحد والنظام الواحد.

إن وجود حراك سياسي في منطقة غير معتادة عليه سيكون له نتائجه وانعكاساته السلبية، وهي معاناة الشعوب من انعدام الأمن والاستقرار والفقر وغيرها من الصور المؤلمة التي لا بد أن يدفعها العرب والمسلمون مؤقّتًا نتيجة صمتهم وخوفهم وركودهم لسنوات طويلة، ولا بد أن يدفعوها مقدمًا بحثًا عن الحرية والانعتاق من ربقة الاستبداد.

ومع ذلك أخشى ما أخشاه وهو هروب العرب من استبداد ووقوعهم تحت وطأة استبدادٍ آخر قد يكون موازيًا أو أشد من سابقه، أقول ذلك لأن جماعة الإخوان المسلمين في البلاد العربية – رغم كل إيجابياتها – تستخدم الغطاء الديني لتحقيق أهدافها السياسية ومآربها الأخرى، وهذا يجعلنا نقع في نفس الفخّ الذي وقعنا فيه في الماضي، لأن استخدام الغطاء الديني سياسيًا يعني استبدادًا وفرضًا للمذهب الواحد والنظام الواحد باسم الدين، فتظهر الفتاوى الشرعية وتصدر الأحكام على كل مخالف، فيختلط الأمر ونعود إلى المربع الأول.

ولكن وإن يكن ومهما كانت الأخطاء ومهما كان حجمها، ومهما كانت البدائل الجيد منها والسيء، يبقى الحراك في المنطقة ضروريًا لنتقدم ولنبحث عن المسار الصحيح الذي يجب أن نسلكه، فنجرّب طرقًا جديدة فنحسِّن ونجدد وننقِّح حتى نصل إلى ما نصبو إليه من حرية وعدالة واستقرار.

فالآن نحن أمام عدة قوى متصارعة في المنطقة:

1- القوى المستبدة السنية (القبلية والدينية والعلمانية).

2- القوى المستبدة الشيعية.

3- الجماعات الإسلامية المسلّحة بكل أشكالها وأطيافها.

4- القوى الشعبية وما تريده الشعوب.

5- القوى السنية الدينية الوسطية.

6- قوى خارجية.

1- القوى المستبدة السنية (القبلية والدينية والعلمانية):

متمركزة في دول الخليج وبقية الدول العربية، ما زالت قوية ولها مكانتها وعلاقاتها الداخلية والخارجية، وهي نوعًا ما متماسكة ومتفقة على الاستبداد ووأد الثورات الشعبية، لهم جذور قوية وأذرع ممتدة بين الشرق والغرب ومواجهتها هي أصعب مرحلة.

2- القوى المستبدة الشيعية:

هم قلة ومتفرقون في المنطقة العربية توفِّر لهم إيران الدعم والقوة، وهي تسير بما تمليه عليها المصلحة الإيرانية لإشعال الفتن وتحقيق الرؤية الإيرانية الاستراتيجية في المنطقة، كما يتلقّون الدعم الغربي لإشعال المنطقة بالطائفية… وفي حال استقرار المنطقة العربية وغياب الاستبداد وتطبيق العدالة، فسيشاركون في العمل السياسي والوطني لكل دولة ينتمون إليها.

3- الجماعات الإسلامية المسلّحة بكل أشكالها وأطيافها:

هذه ستنتهي عندما تستقر الأوطان وتقوى شوكتها وينتشر العدل ويتحرّر الفكر، فأكثر من يقعون في فخها من المتعاطفين مع المظلومين المسلمين وممن يرفضون الظلم، أما قادتها فيعتقد الكثيرون أنهم متخابرون مع جهات عربية وغربية جاعلين منهم أذرع لتحقيق بعض أهدافهم.

4- القوى الشعبية:

لو تُرك لها حرية الاختيار دون تدخّل فإنها سترفع من تجد في حكمه العدالة والتنمية والاستقرار، ربما تخطئ بوصلتها يومًا ما بسبب العاطفة والاستعجال، ولكنها سرعان ما ستكتشف الخطأ وستعدّل من رأيها إذا ضُمن لها الحرية والوعي.

5- القوى السنية الوسطية متمثلة في جماعة الإخوان المسلمين وما شابهها من جماعات وأحزاب:

هي القوى المواجهة للقوى المستبدة السنية على الساحة حاليًا، وهي التي اختارتها شريحة كبيرة من القوى الشعبية في دول الثورات العربية بديلًا للحكم العلماني، ومن ثم أسقطتها القوى المستبدة من داخل الأوطان وخارجها، وقد تمّ إسقاطها بكل سهولة بسبب ضعفها وقلة خبرتها القيادية وبسبب قوّة وتأصّل جذور القوى المستبدّة لسنين طويلة، على عكس جماعة الإخوان المسلمين في تركيا التي عرفت كيف تدخل اللعبة السياسية بنجاح وتحقّق مكاسب سريعة على الأرض، وأضيف على ذلك أن جماعة الإخوان المسلمين في البلاد العربية ما زالت تُكرّر خطأ القوى المستبدة السنية التي تستخدم الدين غطاءً لتمرير سياساتها وفرض استبدادها، وهي أيضًا تلعب دور الضحية التي تعاني من ظلم الجلاّد معتقدةً أن النصر السياسي سيأتي على طبق من ذهب دون قوة وتخطيط وتحالفات تزيد قوّتها على الأرض وتضم القوى الشعبية إلى صفها.

6- قوى خارجية:

متمثّلة في أمريكا وروسيا وإسرائيل وبعض الدول الأوروبية، تدعم أحد الأطراف السابقة أو عدة أطراف أو جميعها لتنفيذ أجندتها في المنطقة، وهي السرطان الخبيث الذي ينفخ في النار لتزداد اشتعالًا، والتبعية لها هو أحد أهم أسباب فشل الدول العربية في تحقيق استقلالها ونهضتها، هذه القوى يهمها أن نبقى تحت ظل الجهل والخوف والاستبداد والفتن لتستغل مواردنا ونبقى رهينةً لحمايتها… التخلص منها ليس صعبًا ولكنه ليس مستحيلًا لو توحّدت الكلمة ونهضت الأمة وتم وضع استرتيجية سليمة لتحقيق هذا الهدف فسنصل حتمًا.

اليوم ظهرت صورة جديدة وتحالفات جديدة على الساحة بين القوى المختلفة، يتقاذفون التُهم بدعم الإرهاب والتآمر على بعضم البعض، فدخلت قطر في تحالف مع تركيا وإيران وجماعة الإخوان المسلمين، بينما المملكة العربية السعودية ومصر ومعظم الدول العربية تقف على الجانب الآخر، والولايات المتحدة الأمريكية تلعب مع الجميع لتحصد أكبر قدر ممكن من المال، لا أحد إلى الآن يستطيع التكهّن بنهاية هذا التحالف الجديد ونتائجه على المنطقة، ولكن إذا ظل الجميع يفكرون بنفس المنطق الذي يفكّرون به منذ سنوات فالنهاية لن تسرّ أحدًا.

فمن أحد السيناريوهات المتوقّعة أن تخرج قطر وجماعة الإخوان المسلمين من الحصار الخليجي العربي أقوى من السابق شعبويًا ونخبويًا، وخاصةً أن هناك قوى شعبية في معظم الدول العربية متعاطفة معها كونها أول دول عربية تقود فكرة الرأي والرأي الآخر من خلال قناة الجزيرة، فقد فتّحت عيون وعقول الشعوب على الكثير من الخفايا التي كانت غائبة عنهم وبسببها استيقظت شعوب العالم العربي من سباتها العميق، ولأنها آوت كثيرًا من قيادات الإخوان المسلمين بعد أن طورِدوا من قِبل القوى المستبدة في بعض الدول العربية والخليجية، وكما قلنا أن الشعوب فضّلتهم كبديل عن القوى المستبدة التي سقطت إبان الثورات العربية.

وقد يحدث العكس فأمريكا ليس لها عهد ولا ميثاق ولا يؤمن جانبها، فإن رأت أن مصلحتها في المنطقة تقتضي تحجيم دور قطر في المنطقة فستفعل ذلك وستدفع بكافة القوى الداخلية والخارجية لتنفيذ المخطّط، الذي قد ينتهي بالانقلاب على الحكومة الحالية، إلاّ إذا كانت الحكومة القطرية قد قامت باحتياطاتها من هذا الجانب وسوّت أمورها مع ترامب، ومع تحالفاتها الجديدة إيران وتركيا.

وقد نصل إلى سيناريو ثالث تتأزّم فيه الأزمة دون تدخّل أمريكي صريح، فيراقب من بعيد ويزوّد هذا وذاك بالأسلحة والعتاد، لتشتعل المنطقة أكثر مما هي مشتعلة، ومن يراقب يلاحظ أن أمريكا منذ عقود تعمل على تعبئة وتسليح جميع القوى في المنطقة.

وفي النهاية أتمنى أن تنتهي الأزمة بأقلّ الخسائر لجميع الأطراف، وأتمنى من جميع العرب أن يستوعبوا اللعبة السياسية بشكلها الصحيح، وأن يتخلّصوا من حظوظ أنفسهم ويضعوا نصب أعينهم مصلحة شعوبهم، وأن يبتعدوا تمامًا عن الاستبداد السياسي والفكري وإقحام الدين في اللعبة السياسية لتحترمهم الشعوب وليحافظوا على مكانتهم ومكانة الدين الذي ينتمون إليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد