“كنت دائما أدخل في خلافات طويلة مع مصطفى النجار حول دور الإنترنت في عملية التغيير؛ فمصطفى كان يرى الإنترنت عالما افتراضيا لا يمكنه التأثير بشكل فعال على أرض الواقع بينما كنت أرى في الإنترنت شرارة التغيير، الإنترنت ليس عالما افتراضيا تسكنه الأشباح بل هو وسيلة للتواصل تعطي للعالم الحقيقي طريقة للتنظيم والتحرك ونشر الوعي والفكر” – وائل غنيم، الثورة 2.0

1. تخليص بسيط
ناقشنا في مقال الأسبوع الماضي سؤالًا غاية في البساطة وهو إذا كانت شبكات التواصل الاجتماعي “تواصل مزيف وتجارب تفتقد الشغف والحقيقة مع نماذج محاكاة للأشخاص ليس إلا” فلماذا نفشل في الانسحاب منها كل مرة؟ ففي دراسة لمجموعتين مجموعة نشطة على مواقع التواصل ومجموعة أخرى تراقب فقط مشاركات أصدقائها دون مشاركة منهم، بعد يومين أبلغت المجموعة الثانية عن مشاعر نفسية سلبية، وفي دراسة أخرى جُعل المختبرون يقومون بمشاركات لا يراها أصدقاؤهم على شبكات التواصل وأبلغوا أيضًا عن مشاعر نفسية وثقة بالنفس متدنيين.

 

والمتأمل بالفعل يجد أن معظم المشاكل التي تقرن بوجود العالم الافتراضي هي في الأساس مشكلة متأصلة في الواقع كإغراق البعض أحيانًا في التظاهر أو كون شبكات التواصل عامل إلهاء وحقوق الخصوصية والملكية الفكرية ويمكن حصر مشاكل مواقع التواصل في قوتها في نشر الإشاعات للجمهور العريض وغياب مراقبي الجودة والهويات المجهولة وعثور المعادين للمجتمع على أصدقاء لهم بسهولة، ولكن حتى بعض هذه المساوئ تظل أعراضًا جانبية لمميزات هائلة كما سنرى.

 

وخلصت للقول في النهاية إلى أنه ربما يفتقد العالم الافتراضي للشغف والحقيقة ولكنه كذلك ينقص الواقع بنسبة كبيرة فمعظم علاقاتنا أصبحت هشه وسطحية بشكل عام والعالم الافتراضي مؤشر لا مسبب كما أننا نحب هذا العالم ونشعر فيه بأننا نتواصل بالفعل ونعبر عن أنفسنا أينما ووقتما نشاء، وهنا يتكامل العالمان؛ فمتى أصبح أحدهما أقل إثارة للاهتمام ننتقل للآخر بسهولة، وأنهينا المقال بسؤال آخر وهو “ما مدى استفادتنا الشخصية واستفادة المجتمع من تطور بهذا الحجم؟”

2. من منظور فردي بحت
من العبثية حصر فوائد عالم كامل كأنك تعد فوائد الحياة! ولكن ربما نلقي الضوء على بعض ما لا ندركه. غيّر الإنترنت تمامًا من شكل عالمنا وأضفى طابعًا ديمقرطيًا لعملية التعليق بعيدًا عن رقابة الصحف والإعلام بشكل عام، ووسع مدى انتشار أية قضية وأطلع الناس على أفكار وطرق جديدة للتفاعل، يمكن لأي شخص الآن على اتصال بشبكة الإنترنت ولديه معرفة أساسية باستخدام الكمبيوتر الوصول لقطاع عريض من البشر بدون رقابة مسبقة، نحن الآن أمام عالم مليء بالاحتمالات والفرص.

 

والآن باستثناء كل فوائد التكنولوجيا المصاحبة للسوشيال ميديا أريد التحدث بشكل خاص عن السبب الرئيسي لوجودنا على شبكات التواصل الاجتماعي وهو تعبيرنا عن أنفسنا وما لا ندركه عن آثارها علينا؛ فبظهور “السوشيال ميديا” انتعش وسط الكتابة من جديد كأسلوب للتعبير عن النفس ربما أكثر من أيام العهد الذهبي للطباعة والمراسلات ففي تلك الأيام كان الفرد في المتوسط يصله جواب واحد كل أسبوعين والآن كما ذكرنا في المقال السابق يكتب الأمريكيون فقط يوميًا ما يعادل كتب مكتبة الكونغرس!

 

ولا عجب أن ما يكتبه الفرد بنسبة 80% هو يمثل تجاربه وأفكاره الشخصية ففي دراسة بجامعة هارفارد خلص العلماء أن مشاركة الأفراد لتجاربهم الخاصة وآرائهم يحفز نشاطًا دماغيًا في نفس مراكز الإحساس بالنشوة الجنسية أو امتلاك المال، ولكن ما وجهة استفادتنا بكل تلك المتعة؟
كبداية كلنا نعرف أننا يمكن بسهولة أن نفوز بنقاشات داخل عقولنا ولكن عندما نناقشها فعليًا يصبح الأمر أكثر صعوبة، والفكرة ببساطة في أن أفكارنا مشوشة وضبابية بداخلنا ولا تأخذ شكلًا أكثر تنسيقًا ونقاءً إلا بعد التعبير عنها وخاصة بمحاولة كتابتها، كتب الشاعر الإيرلندي سيسل داي لويس قائلًا “إذا كان الأمر واضحًا في ذهني ما احتجت أو شعرت بالرغبة في كتابته، نحن نكتب لنفهم أنفسنا لا لنُفهم”.

 

كما أن الكتابة على السوشيال ميديا تتفوق عن زمن كتابة المذكرات في شيء آخر وهو وجود مستمعين فعليين لما يكتب، مما يضعك تحت عبء شرح أفكارك بشكل واضح ومتماسك مدعوم وحجج معقولة وباستشهادات أحيانًا، في نهاية الأمر إذا كنت سأناقش نفسي لا قارئ المقال ما كنت لأتكبد كل ذلك العناء، أليس كذلك؟

 

أجرى باحثون في الفيسبوك دراسة عن مراقبة الأشخاص لما يكتبون على الفيسبوك فكانت النتيجة أنه على مدى 17 يومًا عدّل المشاركون مشاركاتهم بنسبة 71% بمعدل 4.32 لكل Status update و3.2 لكل تعليق، مما يعطيك فكرة جيدة عن تأثير المستمعين! قد يجادل البعض أن ذلك معناه الخوف والسكوت أحيانًا ولكن تلك المشكلة إن وجدت فهي موجودة حتى في الواقع وما أضافته السوشيال ميديا أن جعلت نقاشاتنا وأفكارنا المعبر عنها أكثر قوة وصلابة.

 

لا تجعل الكتابة أمام تأثير المستمعين النقاد أكثر وضوحًا في الذهن فحسب بل تجعل منهجية التفكير أفضل! ففي دراسة قسم أطفال إلى ثلاث مجموعات وطلب من كل مجموعة حل puzzles ، أول مجموعة طلب منها حلها وشرح طريقة حلهم لأشخاص والمجموعة الثانية طلب منهم شرح طريقة حلهم في تسجيل فيديو والأخيرة طلب منهم حلها فقط ليس إلا، وبشكل قاطع كانت المجموعة الأولى الأكثر قدرة على الحل ثم الثانية فالثالثة؛ فوجود نقاد يجعلك تبذل مجهودًا ذهنيًا أكثر يصل بك لحلول أكفأ وأسرع، كما أن تكبد كل ذلك المجهود الذهني لصياغة الأفكار وكتابتها يجعلها في الذاكرة أكثر قوة ووضوحًا، ففي سنة 1978 قام باحثون بدراسة أي الكلمات أكثر حضورًا في الذاكرة الكلمات المكتوبة أم المقروءة، بالطبع فازت الكلمات المكتوبة.

 

قد يجادل البعض أيضًا في فكرة أن أسلوب الكتابة تدهور وافتقر للجمال ولكن تلك المشكلة ازدادت وضوحًا فقط مع الكم الهائل من الكتابات الذي ظهر في عصر وجود السوشيال ميديا والألف كتاب سنويًا، يقول العالم المشهور ستيفن بينكر في كتابه الأخير Sense of style أننا نلوم بالخطأ الإنترنت لمشاركته في تدهور اللغة ولكن الحقيقة أن الكتابة الجميلة مشكلة لطالما كانت موجودة لأسباب أخرى كلعنة المعرفة وهي جهل الكاتب بعقلية القارئ ما يفكر فيه وما يعرفه مسبقًا عن ما يناقشه ومايحب قراءته.

 

وبالفعل ففي بحث لبروفيسور آندريا لانسفورد في جامعة ستانفورد لاحظت أنه على مدى قرن من الزمن في مقالات الطلاب الجامعيين بالكاد معدل الأخطاء في قواعد اللغة ازداد على الإطلاق، بل أن موضوع الكتابات اكتسب نوعًا من العمق ففي بدايات القرن العشرين كان الطلاب يكتبون مقالاتهم في أمور بسيطة ومعدة مسبقًا –كمواضيع تعبير ثانويتنا العامة – وفي الثمانينات بدأ الطلاب في المعظم يناقشون تجاربهم الشخصية وأفكارهم والآن معظمهم يناقشون قضايا معاصرة ويقدمون حججًا واستشهادات لأفكارهم.

 

أخيرًا، لطالما سمعنا قائل يقول “مفيش حد مهتم يعرف أكلت إيه إنهارده”، فما مدى صحة تلك العبارة؟ كبداية: تأثير مشاركاتك مشاعرك الشخصية له تأثير أكبر مما تتخيل، ففي دراسة أجراها باحثو جامعة كاليفورنيا اكتشفوا فيها أن المشاعر المشاركة على الفيسبوك معدية! على مدى سنتين فحصوا مليار بوست على الفيسبوك واستعانوا بالأرصاد لرصد الأيام الممطرة حيث تكثر الأفكار والمشاعر السلبية واكتشفوا أنه عبر العالم كان لأصدقائنا في مختلف الأنحاء مشاركات تعكس مشاعر سلبية أيضًا حتى إن لم تكن تمطر في بلادهم!

دراسة أخرى أجراها الفيسبوك على 680 ألف شخص حذف خلالها معظم مشاركات المشاعر السلبية على الصفحة الرئيسية لتبقى فقط المشاركات الإيجابية وكانت النتيجة مشاركات إيجابية من المشاركين في الدراسة والعكس بحذف المشاركات الإيجابية.

 

مشاركة تجاربك وأهتماماتك ومشاعرك الشخصية حيالها يمكن رويدًا رويدًا أن يصنع خريطة ليفهمك الآخرون وخريطة عنهم لتفهمهم أكثر، وهو ما يزيد فرص التعرف على أشخاص جدد يشاركونك اهتماماتك حول العالم، على مدار الثلاث سنوات بعد نشاط ملحوظ نسبيًا لي على السوشيال ميديا أعتقد أنني أستطيع أن أحصر أكثر من 50 صديق رائع تعرفت عليهم بشكل شخصي.

ولا عجب ففي بحث لعالم الأنثروبولوجي روبين دونبر اقترح أن الإنسان على الفيسبوك قادر بحد أقصي على المحافظة على روابط تواصل متزنة مع 150 صديق في المتوسط و20 بشكل مقرب، وكما ذكرت في المقال السابق “راجع ببساطة قائمة من تتابعهم على الفيسبوك أو تويتر وتساءل عن إحتمالية أن تلقيك الصدف بشخص له حس دعابة كفلان، قارئ نهم أو متابع جيد للسياسة، وبالمثل، أصبح لنا متابعون وربما أصدقاء مهتمون بأفكارنا وأفلامنا وموسيقانا ويشاركونا المزيد دائمًا”.

 

وتلاقي الأفكار والأشخاص والاهتمامات المشتركة نهاية مثالية للمقال لأننا ناقشنا المسألة من منظور فردي بحت ويتبقى لنا إذن فوائد تفاعل الفرد مع المجتمع على شبكات التواصل الاجتماعي وسنتجول في عوالم كلنا خالد سعيد وصنع التاريخ العالمي وأروقة النقاشات في الجودريدز وويكيبديا وكورسيرا – أو منصات التعليم الإلكتروني بشكل عام – لنرى كيف أن حتى مساوئ الإنترنت قد تعتبر أحيانًا أعراضً جانبية أمام منفعته الضخمة.

 

وللحديث بقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1. Smarter than you think – Clive Thomson
2. الثورة 2.0 – وائل غنيم
3. حرية التعبير – مقدمة قصيرة جدًا
4. Sense of style – Steven pinker
عرض التعليقات
تحميل المزيد