حسيني بومدين
حسيني بومدين

أحدث سقوط طائرة القوات الجوية المسلحة التابعة للسلاح الجوي الجزائري يوم الأربعاء في منطقة البليدة -وسط الجزائر- حالة من الحزن؛ نتيجة للعدد الهائل من الضحايا الذي قدر بـ257 شخصًا من الطاقم والركاب، والذي تبعه إعلان حالة الحداد لمدة ثلاثة أيام عبر كامل التراب الجزائري، غير أن الحادثة تصادفت مع مقابلات أوربية في دوري الأبطال، كان أطرافها أقوى الفرق التي تملك مناصرين عبر العالم كله، والشعب الجزائري ليس استثناء لهذا، بل نقل شغفه وعواطفه -التي لا تعرف للاعتدال طريقًا- إلى الكرة المستديرة، مما جعله يتفاعل مع نتائج المقابلات على فضاء وسائل التواصل الاجتماعي، الأمر خلق حالة من الاستهجان لدى فئة غير قليلة من رواد مواقع التواصل الاجتماعي؛ كون المشجعين للأندية الأوربية لم يحترموا مشاعر الحزن الناجمة عن الكارثة الجوية بنقاشاتهم الكروية وباحتفالاتهم الملفتة.

لكن مربط الفرس هنا كون من استهجن عدم مبالاة الآخرين بما عده مظاهر الحزن عند الآخرين -رغم أن من ابتلي بموت أحد الأقارب لن يبالي بما كتب في الفضاء الافتراضي على الإطلاق- لم نلاحظ عليهم أي مظاهر الحداد أو الحزن في حياتهم اليومية، وأثناء ممارستهم لنشاطاتهم في الواقع المعاش، بل الكثير ناقش الأوضاع الكروية في المقاهي وبين الجماعات الاجتماعية التي يعيش فيها بطريقة عادية، وهو الأمر نفسه الذي تقبله على الفضاء الافتراضي، أو حتى دعي إلى زفاف، فلبى مسرعًا مبتهجًا .

عندما نتكلم عن الفضاء الافتراضي أو الاعتباري كما يسميه عبد الله الجابري، فنحن نتكلم عن مساحة للنقاش العمومي تمتاز بخصوصيات فريدة بالنسبة للأفراد والجماعات، هو يسمح للفرد بالنقاش بحرية أكبر بعيدًا عن الرقابة بكل أنواعها، أمنية كانت أم اجتماعية، وهي خاصية ذهبية لمن يعيش في بلدان الوطن العربي، حيث تُعد الأنفاس، والرقيب وراء الباب ينتظر العثرات، وميزة أخرى لا تقل عن الأولى في شيء: تستطيع أن تغير جلدك، ولونك أن تكون شخصًا آخر مختلفًا عن ما أنت عليه إطلاقًا، شيزوفرنيا افتراضية ولا أجمل، وهنا يكون الاستئساد في مواقع التواصل الاجتماعي وارتداء عباءة الفضيلة والمثالية -التي على أساسها استنكرت النقاشات حول كرة القدم- ولا تكلف صاحبها قطميرًا، ولن يبذل من الجهد شيئًا.

فهل أصبح الفضاء الافتراضي فضاء رسميًّا على الفرد أن يلتزم به بقواعد السلوك والإتيكيت واللباقة، مخافة أن يتجلى له حرس الفضيلة الافتراضية في أي وقت ومن أي مكان، مع كل ما يمكن قوله حول مفهوم الفضيلة الذي لا يمكننا أن نحدده سلفًا فهو مختلف من مجتمع إلى آخر، في حين أن الفضاءات العامة الواقعية أصبحت تضمن خصوصية وأريحية أكبر للأفراد؟

هل أصبح التعبير داخل الفضاء الافتراضي يستلزم من الفرد أن يراعي في التعبير عن عواطفه أو مشاركة نشاطاته حرصًا أكبر من المراعاة التي يتخذها في حياته اليومية؟

هل أصبح المجتمع يولي اهتمامًا أكبر لما يقوم به الفرد داخل وسائل التواصل الاجتماعي عن تلك الممارسات والتصريحات والمشاركات في الحياة الواقعية؟

والأسئلة أصبحت تطرح وستطرح غيرها، مع الحضور الدائم والمتزايد للفضاء الافتراضي أو الاعتباري في حياتنا اليومية، حيث الفرد والمجتمع، التعبير والمشاركة المجتمعية مواضيع يتغير فيها المباح والممنوع تغيرًا متسارعًا، يجعل من الصعب توقع ما سيكون عليه أي شيء وكل شيء.

* ما كتب في هذا المقال ليس اعتراضًا على الحداد آو مراعاة مشاعر الحزن في شيء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك