انطلق المؤتمر الوطني للشباب في دورته السادسة منذ أيام بجامعة القاهرة، ولقد حضره شباب الجامعات وخاصة جامعة القاهرة، ولقد شاهدنا جميعًا بالجلسة الأولى مصممة الجرافيكس غادة والي ومساعدتها، أو قل أختها، استشاري إدارة الأعمال، يقدمان مشروعًا شبابيا جديدًا تحت اسم الهوية البصرية لمصر، فشدد الرئيس على أهمية الشروع في ذلك المشروع، وقد كلف حجازي، وزير الدفاع بالإشراف عليه لما له من أهمية قصوى بحياتنا، والآن نتساءل.. هل الهوية البصرية كانت مفقودة قبل ذلك المؤتمر؟ لعل من مجيب يقول: نعم.. فلماذا ونحن نمارس هويتنا البصرية منذ قديم الأزل.

ولو تقمصنا شخصية المحقق، سنجد أن هويتنا البصرية موجودة من حضارتنا المصرية القديمة، حينما نرى شعار مفتاح الحياة.. والذي كان يحمله الملك إخناتون بيده اليمنى في كل مراسم حياته، ومنذ ذلك الحين، ونحن نعبر به عن هوية مصر البصرية حينما نراه مطبوعًا على ظهر عملة الـ50 قرشًا الورقية قبل انقراضها، واستكمالًا للتحقيق سنجد أن ملوكنا الفراعنة صاروا منذ ظهور الطابعات الحديثة علامات بارزة على طوابع البريد والعملات الورقية، فحينما ندقق النظر سنجد أن الملك توت عنخ آمون منحوتًا على ظهر عملة الجنيه الواحد المعدنية، والأهرامات الثلاثة.. طبعت على كثير من الطوابع البريدية كطابع قسيمة الزواج وكثير من الطوابع الأخرى، أي أن الهوية البصرية لمصر ليست بالجديدة.

وقد أوضحت غادة والي عن مفهوم الهوية البصرية بأنها أداة تعريفية تطبع مصر بصورة متطورة بذهن السياح بشكل دائم بمبادرة من الجامعة الألمانية بالقاهرة، وتقدم معلومات ومخططات حول أصل الأماكن، ورؤية استراتيجية لربط معالم الأماكن في مصر، وتخلق رؤية مستقبلية ترسخ في العقول المصرية، كما تعمل على تعزيز الوعى المحلى والعالمي عن مصر ومحافظتها وتاريخها وحضارتها.

ولو أخذنا نبحث في معاني شعارات الشركات ذات الشعارات الثابتة والتي بمفهوم ذلك المشروع تسمى الهوية البصرية للشركة، سنجد شركة (آبل)، وهي شركة تقنية شهيرة وتشير التفاحة المقضومة إلى كلمة (bit) وهي تخص أحد أهم خصائص الحاسوب والهاتف المتطور وتطورت هويتها البصرية من شعار يحمل صورة عالم الجاذبية الأرضية نيوتن وحوله تفاح يسقط لتتطور إلى تفاحة مقضومة.. وأما عن شركة مرسيدس للسيارات سنجد نجمة ثلاثية، وكل فرع من الأفرع الثلاثة للنجمة الثلاثية إلى وسيلة نقل خاصة، فتشير إلى البر والبحر والجو.. وشعار موقع (تويتر) ويشير إلى طائر يطير، والذي يشير لهدف الموقع، وهو التغريدات.. ومن ثم يتم طبع الشركة ومميزاتها وما فيها من تقنية وتطور في ذهننا انطباع دائم، فنعرف الشركة واسمها من مجرد النظر إلى الشعار فقط أو قل هويتها البصرية.

وعن حيز المكان الذي ينطبع بذهننا يقول الأديب العالمي نجيب محفوظ إنه الزاوية التي يلتقط الكاتب العلاقة بينهما.. وقد تجلت هوية الحارة المصرية البصرية والتعاملية في رواياته، وخاصة الحرافيش وملحمة عاشور الناجي وغيرها، ومن هنا جاء حب والي لمحفوظ لحد العشق؛ مما جعلها تفكر في تقديم مشروع الهوية البصرية لمصر منذ شب في ذهنها منذ السنة الأولى لها بالجامعة الألمانية بالقاهرة، وقد تحقق الحلم بعد 12 عامًا، وقابلت السيسي في مؤتمر الشباب وقدمت المشروع، وقد قبله الرئيس.

ونأتي إلى محطة فكر أخرى.. لماذا لم يتقدم الرئيس بذلك الهوية البصرية لمصر ضمن برنامجه الرئاسي كالذي قبله دون التفكير فيه، ولعل السبب وراء قبول الرئيس لهذا المشروع أنه يريد أن يوفي العهد في تقديم مصر بصورة حضارية مشرقة ضمن فاعليات استراتيجية بناء الإنسان المصري المعاصر لرؤية مصر عام 2030، ونحن على بعد 12 عامًا ليأتي عام 2030.. فهل نستطيع تقديم مصر بصورة أفضل في هذه المدة القليلة؟ ولنر مع الزمن ماذا يكون.

ونستحضر سريعًا من تكون غادة والي.. إنها من مواليد عام 1990، درست التصميم بقسم الجرافيك بالجامعة الألمانية بالقاهرة، وعملت كمدرس مساعد للجرافيك في الجامعة الأمريكية، وحصلت على الماجستير من المعهد الأوروبي في التصميم في إيطاليا، وبعدها حصلت على جوائز عالمية منها (جانشان) وجائزة (فوربس)، وتولت أكثر من ٣٦٠ حملة دعائية أشهرها دعاية فيلم الأصليين لمؤلفه أحمد مراد ومخرجه مروان حامد.

ومن أفضل ما رأينا تطبيق للهوية البصرية لمدينة الأقصر حين رأينا كلمة الأقصر (LUXOR) ملونة بألوان مختلفة منها الأحمر والأصفر والأخضر والأزرق الذي يشير إلى الهدوء والراحة التي تتماشى مع الجو العام للمدينة، وبعد ذلك أشرف محافظ الأقصر على وضع أول شعار للهوية البصرية للمدينة على المبنى الجديد للسجل المدني لمدينة الأقصر كأول تطبيق عملي لذلك المشروع.

ويبقى السؤال موضوعًا.. هل سنتخلى بذلك عن الهوية القديمة من صور الحضارة القديمة؟ والحق كما قلنا إن كثير من المؤسسات الحكومية تشغل حيزًا في أذهاننا.. لا لكونها عظيمة أو ذات تأثير، بل لكونها طبعت بشكل مميز في عقولنا.. كما أوضحنا في سابق كلامنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد