بصراحة كانت المظاهرة التي جرت يوم الخميس 28 يناير في باريس صرخة ألم وتعبير عن رفض قطاعات كبيرة من الشارع الفرنسي والشارع العربي ومن الجالية العربية أيضًا المتواجدين في فرنسا ومن المقاومة الإيرانية، ضد تواجد مجرم وقاتل وديكتاتور يمثل نظام إرهابي دموي لم يأت التاريخ بمثلهِ وهو نظام الملالي في إيران، وكانت هذه الصرخة نتيجة طبيعية لسياسات هذا النظام، ولم يأت المتظاهرون بشيءٍ جديد لأنهم قالوا ما عاشوا وما رأوا وما سمعوا بالوثاق والأدلة لو أخذنا على سبيل المثال كمية الإعدامات التي تنفّذ في إيران ونقيسها في القياس العالمي المعروف سنجد أن إيران تأتي بظل نظام الملالي في الدرجة الثانية بعد الولايات المتحدة الأمريكية، وكلنا نعلم عدد نفوس الإيرانيين بالقياس مع عدد النفوس في الولايات المتحده الأمريكية، وهذا يدل على حجم القتل وحجم الإقصاء الذي تمارسهُ طغمة الملالي في إيران ضد الشعب الإيراني.

نحن عندما خرجنا بهذه المظاهرة كانت ضد النظام الملالي وليس ضد أحد من أبناء الشعب الإيراني، الجانب الفرنسي فسّر الزيارة على أنها زيارة اقتصادية بالدرجة الأولى، لكن هذه الزيارة الاقتصادية أيضًا تحمل دلائل ورسائل سياسية ومن ضمنها أن نظام الملالي يريد تلميع صورته لدى الغرب، ويريد تحسين علاقاته مع الغرب؛ وهذا التحسين والتلميع للصورة يأتيان على حساب الشعب الإيراني المضطهد، نحن نريد علاقات قوية مع إيران حرة مع إيران ديمقراطية مع إيران ممثلة بجميع طبقات الشعب.

ولو أخذنا مثلِاً أيضًا هامش البطالة والعطالة داخل إيران سنجدهُ هامشًا كبيرًا؛ هناك كثير من المهّمشين، والمصلحة الإيرانية خصوصًا بعد رفع الحصار كلها تصب في صالح النظام ولا تصب في صالح الشعب وهذا ما يثير الشعوب الحرة التي تتدافع عن حريتها وتدافع عن الشعب الإيراني كشعب مضطهد واقع تحت تأثير سلطة مخابراتية، سلطة بوليسية، سلطة قمعية، بالحرية المزعومة التي يتشدق بها نظام الملالي من خلال الانتخابات، وهناك أكثر من ملاحظة بشأن هذه «الانتخابات»، هناك أكثر من رأي حول هذه الحرية، ولكن المظاهرات بجماهير صادحة وبالآلاف يعبرون عن رأيهم ويعبرون عن مشاركتهم ويعبرون عن رغبتهم في الحرية للشعب الإيراني المضطهد، وكان من دواعي الفخر لنا أن كثيرًا من وسائل الإعلام والمحطات العربية والمحطات الأجنبية أيضًا تناولت هذه الرسالة وكثيرًا من المتحدثين من البرلمان الأوروبي، شاهدتُ قسمًا منهم، ومن البرلمان الفرنسي الكثير كانوا رافضين لزيارة روحاني لما تحملهُ من دلالات اقتصادية.

أحب أن أذكّر أن هذه المظاهرة بدأت من ساحة كبيرة في وسط باريس هي ساحة دانفرروشرو إلى كيه دورسي وهي مقر وزارة الخارجية الفرنسية وطول هذه المسافة أربعة كيلومترات تقريبًا، واستغرقت بسب الحشود الجماهيرية الكبيرة التي سارت هذا الطريق تقريبًا أكثر من خمس ساعات للوصول إلى هناك وإلقاء كلمة الختام التي أُلقيت في المنصة المتحركة، هذا التعريف بهذه المظاهرة وأهميتها ورسالتها الواضحة طبعًا، أكد أن موقف الحكومة الفرنسية هو موقف مرتبك يعني الحكومة الفرنسية وضعت نفسها بين سندان الفوائد الاقتصادية ومطرقة الرأي العام الفرنسي الذي كان بالمجمل معارضًا لهذه الزيارة ومعارضًا لبيع تاريخ فرنسا وموقفها الصارم في مجال حقوق الإنسان بهذه الطريقة التي وجدناها فجة خصوصًا من قبل عدة مواطنين فرنسيين وعدة شخصيات ناشطة في مجال حقوق الإنسان، ولا ننسى أن هناك أكثر من منظمة أوروبية لها مقرات هنا في باريس منظمة العفو الدولية وكثيرًا من منظمات حقوق الإنسان، مراسلين بلا حدود، أطباء بلا حدود.

كل هذه المنظمات كانت حاضرة بشكلً أو بآخر في هذه المظاهرات، وبرغم أن رسالة المظاهرة وصلت إلى أسماع الرؤساء، الرئيس هولاند و«روحاني» الممثل لنظام الملالي المجرم الذي بسببه قامت هذه المظاهرات ووصلت هتافات المتظاهرين إليهم، رسالة المظاهرة كانت ناجحة ورسالة وصلت بصورة صحيحة، ونحن نشكر الإخوة في المقاومة الإيرانية الذين أدوا واجبهم على أكمل وجه ونظموا هذه المظاهرة وأتاحوا للكتلة العربية أيضًا أن يصل صوتها ضد التدخلات الإيرانية في المنطقة وضد محاولة تصدير الثورة التي مازالت مستمرة.

نحن لا ننسى أن يد هذا النظام ملطخة بدماء الشهداء في سوريا، في العراق، في اليمن، في لبنان، وفي كل المنطقة، وكنتُ متعجبًا إذ سمعت الرئيس السوداني حسن البشير وهو يقول إن هناك محاولات لتغلغل للنظام الإيراني في السودان، وهذا ما دفع حكومة السودان إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع نظام حكومة الملالي في إيران، لنرى حجم الوصول لأنهم في السودان استطاعوا مدّ أذرعهم إلى السودان أيضًا. فيكفي علينا أن نرى شعوب المنطقة والمشاكل التي وقعت فيها المنطقة ووجود داعش بسبب إطلاق النظام؛ السوري التابع والحليف القوي للنظام الإيراني إطلاقه كل العصابات والمجرمين المسلحين من السجون وأكثر ضباط داعش هم ضباط مخابرات سورية وهم ضباط أيضًا لهم علاقات مع إيران، يكفي علينا أن اللعبة انكشفت بالنسبة لنا كشعوب المنطقة وكمثقفين وكأحرار، ولم تعد هذه اللعبة تنطلي على أحد، تدخلات نظام الملالي في المنطقه يجب أن نضع نهاية لها، يجب وضع حد لها ويجب على الجميع أن يفتح عينه جيدًا على هذه التدخلات وهذه المجاري.

نحن نعرف الجانب الفرنسي كان بإمكانه منع هذه المظاهرة حتى قبل يوم من القيام بها حتى في صباح ذلك اليوم ممكن أن تأتي رسالة ألا يمكن السماح لها. هناك دائمًا لجنة مُشكلة من جانب المنظمين ولجنه مُشكلة من وزارة الداخلية الفرنسية للوقوف على سير هذه الأنشطة الجماهيرية، الجانب الفرنسي كان متساهلاً لهذه المظاهرات بسبب أن الجانب الفرنسي يُريد أن يوصل حاجتين أولاً أننا بلد حرية وديمقراطية في فرنسا ونسمح للأصوات المعارضة بالنزول إلى الشارع، الشيء الثاني هو امتصاص نغمة الجماهير التي كانت ناقمة على زيارة روحاني، كان يريد أن يقول نعم الشارع لكم، افعلوا ما شئتم، لكن لا تتجاوزوا هذه الحدود، وهذا ما كان بالضبط نحن مع المقاومة الإيرانية أناس نعرف حدودنا، نعرف قدرنا، نعرف ما يمكن أن نعمله، لدينا وسائل إعلام، لدينا شارع نحبّه، لدينا كل الوسائل السلمية المتاحة لنا، أما الجانب الإيراني ونظام الملالي فلديهم حبال مشانقهم ولديهم أصوات كواتمهم ومسدساتهم ويستطيعون ممارسة الإرهاب، ولكن في النتيجة لا يصح إلا الصحيح ولا يبقى مُدوّ فوق صوت السلم والمحبة والسلام في هذه المنطقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إيران, فرنسا
عرض التعليقات
تحميل المزيد