معاهدة وادي عربة المشؤومة تم توقيعها بين الأردن وإسرائيل في 26 أكتوبر (تشرين الأول) 1994، ومنذ ذلك الحين أصبحت العلاقات مع الكيان الصهيوني تشهد مع السنوات تزايدًا في التبادل التجاري والتنسيق الأمني؛ وذلك لأن نص وروح معاهدة وادي عربة يربط الأردن الرسمي ربطًا قانونيًا بالتزامات مفصلة لا تقتصر على التبادل التجاري والتنسيق الأمني فحسب، بل تصل إلى حد التناغم السياسي تحت عنوان (السلام مع إسرائيل)، وهذا ما يجعل التصريحات الرسمية عن بقاء العلاقات بين البلدين في حدودها الدنيا تصريحات للاستهلاك المحلي فحسب وتهدئة للخواطر التي تظهر وتشتعل من حين لآخر وعلى فترات، حيث إن معاهدة وادي عربة قد رسمت الاتجاه الاستراتيجي للتكامل الأردني الإسرائيلي كاملًا وبالتفصيل.

لكن تسريع أو إبطاء وتيرة تنفيذ مشروع التكامل الإقليمي هذا، لا تعتمد على الموقف الرسمي الأردني مع العدو الصهيوني فحسب، بل تعتمد على مجريات الأحداث الداخلية في الأردن من جهة، بالإضافة إلى مجريات تطور سير الأحداث والأزمات في الإقليم والعالم من حيث السخونة أو البرودة، والتي قد تشكل معوقات لتنفيذ المشروع الأمريكي الصهيوني في عموم المنطقة، كما أن الأحداث الفلسطينية والعراقية والسورية واللبنانية المختلفة عرقلت تقدم تنفيذ هذا المشروع في الإقليم (أخرت بعض خطوات تنفيذه)، ولكنها لم تلغي مشروع التكامل الإقليمي الأردني الإسرائيلي في المنطقة، خصوصًا وأن الأردنيين لم يستفيدوا شيئًا حتى الآن مما يسمى ثمرات (السلام مع إسرائيل).

هذا وتمثل معاهدة وادي عربة في جوهرها إقامة علاقات تطبيعية مع العدو الصهيوني كجزء من صيغة للتكامل الإقليمي غير المتكافئ بين الأردن الرسمي وإسرائيل، ويشهد على ذلك 30 مادة هي جلّ المعاهدة، إضافة إلى الملاحق والإتفاقات المتفرعة عنها، والتي غطت في مجملها كافة أوجه الحياة المدنية والإقتصادية بين الطرفين، بحيث إن (المادة الأولى) من المعاهدة حملت عنوان (إقامة السلام) والذي اعتبر قائما بمجرد تبادل وثائق التصديق على المعاهدة، كما وقد جاءت المواد السياسية والأمنية في المعاهدة لتمهد الطريق للتكامل الإقليمي الأردني الإسرائيلي، وذلك من خلال إعلان الاعتراف المتبادل وإلغاء حالة العداء بين البلدين (المادة الثانية)، وصولًا إلى التعهد بعدم الدخول في أي حلف أو السماح بأي عمل يقوم به طرف ثالث ضد أحد الطرفين الموقعين على المعاهدة (المادة الرابعة)، إضافة إلى العمل على إقامة علاقات دبلوماسية وقنصلية متكاملة وعلاقات اقتصادية وثقافية طبيعية (المادة الخامسة).

كما وقد جاءت نصف مواد معاهدة وادي عربة، أي 15 مادة، لتضع أسس التعاون الإسرائيلي الأردني في كل المجالات تقريبًا وهي: (المياه، العلاقات الاقتصادية، الأماكن ذات الأهمية التاريخية والدينية، التبادل الثقافي والعلمي، النقل والطرق، حرية الملاحة والوصول إلى الموانئ، الطيران المدني، البريد والاتصالات، السياحة، البيئة، الطاقة، تنمية غور الأردن، الصحة، الزراعة، العقبة وإيلات)، على أن يتم في 12 حالة من الحالات الـ15 أعلاه، وضع خطة محددة أو التفاوض للتوصل لاتفاق تفصيلي بين الأردن وإسرائيل للتعاون في المجال الذي يغطيه كل بند، وذلك ضمن سقف زمني محدد، أما في الحالات التي لا تذكر فيها اتفاقية تفصيلية، فإن الاتفاق عليها يكون قد عقد مسبقًا وتم تضمينه في أحد ملاحق المعاهدة كما حصل مع المياه، بالإضافة إلى حالة الملاحة والموانئ التي تم ربط بندها بالقانون الدولي، وأخيرًا حالة الأماكن التاريخية والدينية التي تم فيها ربط الدور الأردني في القدس (الوصاية الهاشمية) بمفاوضات الوضع النهائي (مع الفلسطينيين).

أما المادة المتعلقة بالعلاقات الاقتصادية بين الطرفين فتدعو إلى عقد عدد من الاتفاقيات الفرعية، وليس اتفاقية أو خطة فرعية واحدة فحسب كما جاء في المواد الأخرى، حيث تنص على الآتي: (يدخل الطرفان في مفاوضات بهدف التوصل إلى عقد اتفاقيات تتعلق بالتعاون الاقتصادي، بما في ذلك التجارة وإقامة منطقة تجارة حرة والاستثمار والعمل المصرفي والتعاون الصناعي والعمالة، وذلك لأغراض ترويجية اقتصادية مفيدة تقوم على مبادئ يتم الاتفاق حولها، كما تقوم على اعتبارات إقليمية خاصة بالتنمية البشرية)، وهو ما تم تتويجه فعلًا بعد عام من توقيع وادي عربة بالبرتوكول الاقتصادي بين الأردن وإسرائيل.

وأخطر ما في هذه المعاهدة هو تفاصيل الجانب الأمني منها، فقد تم التعهد في معاهدة وادي عربة على اعتبار التعاون الأمني جزءًا مهمًا من العلاقة بين الطرفين، وذلك ضمن سياق بناء أطر أمن إقليمية تربط الأمن بالسلام، وعلى أن يتم الالتزام بالتنسيق الأمني حول التفاصيل بشكل منتظم بناءً على آلية يتم تحديدها في إتفاقية منفصلة، وقد تمثل ذلك بإلغاء حالة العداء مع إسرائيل والعمل على منع التحريض ضدها، واعتبار منع التحريض وحماية أمن إسرائيل مسؤولية قانونية للدولة الأردنية، بالإضافة إلى منع أي طرف معاد للكيان الصهيوني، سواء كان تنظيمًا أو فردًا أو دولةً من تهديد أو الإضرار بإسرائيل انطلاقًا من الأراضي الأردنية بأي شكل من الأشكال (المادة الـ11)، وعدم التحالف مع أي طرف ثالث أو السماح له باستخدام الأراضي الأردنية لتهديد إسرائيل، وهكذا نرى أن الأردن الرسمي وحسب المعاهدة أصبح ملزمًا بالتعاون ضد أي شكل من أشكال العداء لإسرائيل، وأن كل من يدعو أو يعمل لتحرير فلسطين يصبح فورًا متهمًا بالإرهاب وفقًا للاتفاقية، ومن الواجب مكافحته ومحاربته، وهو ما أخرج الأردن فعليًا من أي التزام تجاه محيطه الشعبي الداخلي والعربي والإسلامي، خاصة وأن (المادة الـ25) من معاهدة وادي عربة تنص على أولويتها على أية معاهدة أو اتفاقية أخرى تتعارض معها وتسمو عليها.

طبعًا الأمر لم يقف عند هذا الحد فقط بل تجاوزه لما هو أخطر فـ(المادة الثامنة) من المعاهدة تدعو حرفيًا للسعي والعمل على توطين اللاجئين الفلسطينيين سياسيًا في الأردن، ولو لم يعن ذلك (دولة فلسطينية) شرق النهر، إلا أنه يصّدر أحد أهم جوانب أزمة الكيان الصهيوني فيما يسمى بـ(عملية السلام) إلى الأردن.

وهكذا نرى أن أفق التعاون بين الطرفين الأردني والإسرائيلي من خلال معاهدة وادي عربة، وإسناده لعدد كبير من الاتفاقيات الفرعية التي تنظمه، يحولان هذا التعاون بالضرورة إلى شراكة إستراتيجية، وهي شراكة لا يمكن أن تكون متكافئة، ولا يمكن إلا أن تحمل بعدًا إقليميًا، وأن تعبر بالتالي عن علاقة ما بين مركز إقليمي إسرائيلي ومجال حيوي (أردني وفلسطيني)، فالأمر المطلوب ليس مجرد سلام أو تطبيع أو إلغاء لحالة العداء، بل إن السلام والتطبيع وغيرها تهدف كلها لإلحاق الأردن بالمشروع الإقليمي الأمريكي الصهيوني.

فإذا كانت (اتفاقية كامب ديفيد) قد أخرجت مصر الرسمية من حلبة الصراع العربي الصهيوني، فقد تحولت (معاهدة وادي عربة) إلى نهج ومسار وحتى أنموذج جديد وحديث، لتعميمه إقليميا انطلاقًا من الأردن، وذلك من خلال مشروع (الشرق أوسطية) والذي يتضمن إلحاق المنطقة بالعولمة وخط الشركات متعدية الحدود (متعددة الجنسيات)، والعمل على دمج الكيان الصهيوني في نسيج المنطقة الاقتصادي والسياسي والثقافي (التطبيع).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الدكتور إبراهيم ناجي علوش
عرض التعليقات
تحميل المزيد