بدأت القصة بسعادة غامرة، حينما تحالف محمد بن عبد الوهاب مع محمد بن سعود، وقام هذا الأخير بوعد الأول بدعمه الكامل للقيام بـ«جهاد» ضد كل الذين ينحرفون عن مفهومه الخاص للتوحيد.

في عام 1746 أعلنت الدولة الوهابية – السعودية جهادًا رسميًا ضد كل أولئك الذين لا يشتركون معها في مفهومها للتوحيد معتبرة إياهم كفارًا مقترفين للشرك والارتداد عن الدين، وهذا يعني إلغاء لجميع المسلمين الذين لا ينتمون إليهم واعتبارهم كفارًا، ومن هذا المنطلق يبدو لي أنهم شكلوا فرقة أخرى من فرق المسلمين، أو بالأحرى من الخوارج فأهمُّ صفة للخوارج هي أنَّهم استفردوا بمفهوم التوحيد وكفَّروا جميع المخالفين وأحلوا دماءهم، وأوائلهم هم من كفَّروا علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – وخَرجُوا عنه. وعليه فإنَّ حركة الوهابية تشبه حركة الخوارج ليس من ناحية تفاصِيل العقائد، ولكن من ناحية طريقة تفاعُلِهم مع الآخرين.

إنَّ هذا الموقف الاحتكاري مستمرٌّ في التأثير على إجمالِي المواقف التي يتبنّاها الوهابيون المعاصرون تجاه المسلمين عامة وتجاه أولئك الذين يقعون تحت سيطرتهم بصورة خاصة، حتى لو لم يعبّر عنه بوضوح، وحتى لو بدا هذا الموقف مخفيًا لأسباب عدة أهمها هو رغبة النِّظام السعودي في تصوير نفسه بأنه المدافع عن مصالح المسلمين، على الرّغم من الأدلة الوافرة البيّنة التي تشيرُ إلى العكس.

إنَّ ظاهرة الازدراء لغير الوهابيين قد تشابك أيضًا بشكلٍ بديع في أكثر من مناسبة مع ضرورة تقديم الولاء للقوى غير الإسلامية، وتتمثّل اليوم في أمريكا، وخاصة بعد ظهور كتاب ربيع المدخلي تحت عنوان: (صد عدوان الملحدين وحكم الاستعانة على قتالهم بغير المسلمين).

وهذا ما قاله عبد العزيز بن سعود، لجون فيلبي، الوسيط بينه وبين وزارة الخارجية، من كونه يفضّل المسيحيين على غير الوهابيين من المسلمين. فقد أوضح ذلك بأن المسحيين يتصرفون وفقًا لدينهم، في حين أنَّ المسلمين لا يتبعون الفهم الوهابي للتوحيد فهم بذلك مقترفون للشرك.

لقد سيطرت الوهابية على مساحات واسعة من الجزيرة خلال الأعوام الـ15 التي تلت إعلان الوهابيين للجهاد. ففي البداية احتلوا معظم أرض نجد، ثم أخضعت قبائل وسط الجزيرة في حين وقعت عسير وأجزاء من اليمن في قبضتهم. ثم مات محمد بن سعود ليخلفه عبد العزيز الذي سيطر على الرياض عام 1773، وبدأ بعد ذلك بنحو 17 عامًا بتوجيه بصره نحو الحجاز لتحقيق توسعةٍ أكثر لمملكته.

ويجدر بالذكر أنَّ محمد بن عبد الوهاب قد أرسل وفدًا من 30 رجلًا عام 1733 إلى شريف مكة مسعود بن سعيد، طالبا الإذن له ولأتباعه بالقدوم للحجّ. ولكن الشريف شكّ بأنّ في نيته نشر تعاليمه بين جموع الحجيج، وخاصة أنه قد ذاع صيته بعد ردّ أخوه الشيخ سليمان عليه وعلى معتقداته واتّهمه بالتعصّب والانحراف.

ولذلك هيّأ الشريف مناظرة بين وفد الوهابيين وعلماء مكّة والمدينة، فانهَزَمَ الوهابيون؛ ممَّا أدى بقاضي مكة إلى اعتبارهم كفرة طبقًا للمبدأ المعروف، والمبني على نصِّ الحديث الذي يقول إن كل من كفّر مسلمًا دون حجة فهو كافر.

كان أول سيطرة للوهابيين في الحجاز قد حصل لمدينة الطائف التي استباحوها عام 1803 بعد حصار طويل، هنا حيث ارتكبوا مذبحة وأحرقوا الكتب التي عثروا عليها. ثم لم يقض وقتٍ طويل حتى اغتيل عبد العزيز وخلفه ابنه سعود، فاستمرت حملة الاجتياح حتى سيطر الجيش الوهابي – السعودي على المدينة المنورة عام 1805، ثم تمكنوا من احتلال مكة عام 1806.

وبدُخُولهم إلى مكة جرى فرض المعتقد الوهابي على أهل مكة والمدينة، بينما انهمك الوهابيون بعملهم المميّز والفريد وهو هدم الأضرحة (طبعًا لست مع وجود الأضرحة، ولكن الإسلام أكبر من هذا بكثير). ففي مكة دُمّرت القباب التي كانت تعلو البيوت التي شهدت مولد الرسول، وخديجة، وعلي، وأبي بكر الصديق رضوان الله عليهم أجمعين.

أما في المدينة فإنّ جميع الأبنية وشواهد القبور في المقبرة المعروفة باسم جنة البقيع المجاورة لمسجد الرسول قد دمِّرت بالكامل، وكان ممَّن دفن هناك زوجات وأصحاب الرسول، وعددًا من الأئمة، بالإضافة إلى تدمير الكتب التي عدت مما يدعم الشرك، مثل كتاب روض الرياحين لليافعي، والكتب التي تقر المذهبين الحنفي، والمالكي، ومحاربة تقاليد الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، والتقليد السَّائد في المنطقة من قراءة بعض الأحاديث قبل خطبة الجمعة. علاوة على ذلك فقد عدت قوافل الحج التي كانت تأتي من مصر، وسوريا، من المهالك التي تحمِل الشرك، فمنع دخولها إلى الحرمين!

لقد أجبرت هذه التصرفات العثمانيين على التصرُّف بحزم، فكما يشير المؤرخ أحمد دحلان، فقد كان العثمانيون يواجِهون فتنتين في نفس الوقت: غزو نابليون لمصر والغزو الوهابي للجزيرة العربية. بالإضافة إلى المناوشات ضد روسيا والنمسا. ولذلك قبل العثمانيون اقتراح والي مصر محمد علي باشا للهجوم على الوهابيين، وعند نهاية سنة 1811، تمكن من تحرير المدينة المنورة، ثم مكة بعد ثلاثةِ شهور في حين فرّ الوهابيون عائدين إلى مكانهم الأصلي «نجد».

حالَما غادرت قوات محمد علي باشا أعادت الحركة الوهابية تشكيل نفسها تدريجيًا في موطنها الأصلي نجد، واتخذت الرياض عاصمتها الجديدة، وفي عام 1832 تمكنت حملة عسكرية من إقناعِ سلطان عمان ليقدم الطاعة للرياض.

التحالف مع البريطانيين

بدأ اتصال البريطانيين بالسعوديين لتدعيم هيمنتهم على منطقة الخليج، وتقطيع أوصال الدولة العثمانية، فكان أول اتصال بين الطرفين في عام 1865، ثم بدأت المعونات البريطانية تتدفق نحو خزائن العائلة السعودية بشكل دائم، وفي عام 1935، جُعل عبد العزيز بن عبد الرحمن المعروف عند الغرب أيضًا بابن سعود فارسًا، وبنفس الطريقة التُقطت صورة الملك فهد خادم الحرمين الشرفين، لدى زيارته للملكة إليزابيث عام 1986، حيث وقف وشارة الفارس الصليبية الشكل حول عنقه.

لقد كانت المطالب البريطانية من الدويلة الوهابية-السعودية متواضعة جدًا، وهي مهاجمة بني رشيد الحلفاء الرئيسيين للعثمانيين في شمال شرقي الجزيرة العربية، وطرد العثمانيين من الساحل الجنوبي للخليج. وفي نفس الوقت كان البريطانيون الدُّهاة على اتصال بالشريف حسين، حاكم مكة الذي خلفَ السلالة الهاشمية، وشجعوه بواسطة الأموال والحوافز للثورة على العثمانيين باسم القومية العربية يصبح هو الخليفة مكان الخلفية العثماني، بشرط أن يعترف بالوهابية في نجد، وفي شرق الجزيرة العربية.

ومن المثير للاهتمام أنه بالرغم من كون العقيدة الوهابية مهووسة بالشر الناجم عن بناءِ القباب فوق القبور، يبدو أن القصور العالية التي بناها الحكام السعوديون لم تخضع لفتاوى شيوخ الوهابية.

هذا ولم يكن تأسيس المملكة العربية السعودية الوهابية عملًا سلميًا، فقد كلفت فتاوى الوهابيين وتكفيرهم ما يقارب 400 ألف نفس بين قتيل وجريح، وعوقب الرجال الذين لم يطلقوا اللحى بطولٍ كاف! كمَا مَنَعت الموسيقى حتى وان كانت مجردة من اللحن وإثارة الشهوات، واعتبرت أصص الورد مهينة للأخلاق العامة بسبب ألوانها البراقة، فهشّمت.

السياسة الخارجية للنظام السعودي-الوهابي

لقد نشأت العلاقة الوثيقة بين الوهابية والسلفية عقب إعلان إنشاء منظمة رابطة العالم الإسلامي للتغطية على سياساتها الخارجية باستقطابها لأعضاء من ممثلي النزعة السلفية، ومنهم سعيد رمضان، وأبو الأعلى المودودي، وأبو الحسن الندوي.. كما يمكن أن نقول إنّ هؤلاء السّلفيين قد تمكّنوا من تليين الفظاظة التقليدية للوهابية ولو بعض الشيء، على الأقل في الجانب المؤسَّساتي.

لقد عملت رابطة العالم الإسلامي على افتتاح مكاتب وفروع لها في جميع أصقاع الأرض لطرد العقائد المعادية والتقاليد الصوفية السائدة، والترويج لأفكار الوهابية بشكل غير مباشر.

ثم لا يخفى علينا أنه بعد احتلال الوهابية للجزيرة العربية، انتقلت أفكارهم إلى الدول الأخرى، فظهرت صور منها مثل «القاعدة»، وحركة «طالبان»، و«تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» وغيرهم لفرض تطبيق الشريعة الإسلامية بالقوة. فبالرغم من بعض المزايا لحركة «طالبان» في جهاد الغرب في أفغانستان، إلاّ أنّ الأفكار الوهابية الكلاسيكية بدت واضحة في منهجهم، مثل منع «طالبان» لبعض المتع الصغيرة، مثل لعب الأطفال بالطائرات الورقية، وإصرارهم الالتزام بإعفاء اللّحية، وكذلك إقصاء النساء من كافة أشكال النشاط الاجتماعي والاقتصادي.

يبدو أن الأمر اتضح للقارئ، وصار الآن يفهم سبب عداء السعودية للحركات الإسلامية المخالفة، وسجن علمائها، وسجن كلِّ مخالف، أو ناقد للنظام السعودي بأي شكل من الأشكال، والذي تجلّى في اعتقال شيخٍ من أجل تغريدة تعبر عن رأيه.

وصار يفهم سبب العداء مع تركيا بالدرجة الأولى (للمخلفات التاريخية بين العثمانيين والوهابيين)، وصار يفهم سبب استعانة الوهابيين بالكفار، والذي ألّف فيه المدخلي كتابه: «صد عدوان الملحدين وحكم الاستعانة على قتالهم بغير المسلمين» السالف الذّكر، وكأن الكفار غير ملحدين، أو بتعبير أدق فإنَّ المسلمين المخالفين للوهابية والمدخلية اليوم يدخلون ضمن خانة الملحدين.

وصار يفهم سبب نظرة الملتحي (الوهابي) الدونية للناس العاديين في نظره، والمخالفين له، ويراهم من أهل النار أصلًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد