كلما حلت علينا ذكرى اندلاع ثورة أول نوفمبر (تشرين الثاني)، يعود الحديث بقوة عن أمجاد ثورتنا، وعن أمجاد آبائنا وأجدادنا، الذين قاوموا أعتى قوة استعمارية استيطانية من أجل إبقاء جذوة نار الحقد ضد المغتصب الفرنسي، وضد أي استعمار كان، وقد كان المفروض أن توظف تلك المشاعر بوصفها حافزًا لبناء الجزائر التي حلم بها الشهداء، دولة جزائرية تكون في مصاف الدول الكبرى، لا أن تقبع في الحضيض كما هو اليوم، فقد ضيعنا حلم الشهداء وضيعنا رسالتهم.

كانت رسالة نوفمبر قائمة على تحرير الإنسان قبل الأرض، تحرير الإنسان من الخوف ومن الحاجة، وتحريره من الجهل الذي أسكنه فيه الاستدمار الفرنسي طيلة قرن وربع قرن من الزمن.

بعد 60 سنة تقريبًا من الاستقلال، اتضح لنا أننا فعلًا حررنا الأرض، ولكن لم نحرر الإنسان، فلم يتحرر الجزائري، لقد فشلت الدولة الوطنية في تحقيق الحريات للجزائريين، وفشلت في حفظ كرامتهم، وفي حفظ أصواتهم من التزوير لبناء دولة تسودها المؤسسات، وتصون سيادة دولتهم، وتحقق أحلامهم في العيش الكريم.

وبقيت الإخفاقات تتوالى، والتراجع يزداد يومًا بعد يوم، وجاء الحراك الشعبي ليعيد الأمل في إعادة بعث دولة نوفمبر، دولة الشهداء التي حملها بيانهم الذي جاء فيها خاصة: «إن الهدف الأساسي من وراء القيام بالثورة، هو إقامة دولة ديمقراطية واجتماعية ذات سيادة، مع احترام المبادئ الإسلامية».

إن القول بأن هناك جماعات ضغط تعمل على عرقلة تجسيد الدولة النوفمبرية وتعطيلها، وهي المسؤولة عن التفشي الحاد للفساد، وحالات اليأس السائدة في أوساط الشباب، ولكن الذين يرددون مثل هذه الأقاويل، على صحتها، بقوا مكتوفي الأيدي، سلاحهم الكلام المرسل لا أكثر، في انتظار معجزة تقلب الموازين وتنقذ الدولة من براثن التعفن، وينقذ الشباب من اليأس وانعدام الرؤية، وهم بذلك يرفعون شعار «كل شيء على ما يرام».

اليوم وبمناسبة استرجاع المبادرة واسترجاع الدولة، تتعالى الأصوات بضرورة الانتقال إلى الجمهورية الثانية والدولة المدنية، وطبعًا بمرجعيتها الغربية والفرنسية على وجه الخصوص، وبمثل هذه النداءات فنحن لن نخرج من دائرة التابع والمتأثر من مستعمر الأمس، فالمسالة لا تتعلق فقط بإقامة دولة ديمقراطية تسودها الحريات، فالسؤال هنا بأي مرجعية تلك الحريات؟

إن كانت المرجعية هي النظم الغربية بكل ما فيها، فهذا خطر على استقلالنا الفعلي؛ فالسعي ليس فقط دولة بمواصفات غربية كما يرافع أصحاب الحل الغربي، بل يجب أن يكون المستقبل لدولة بمواصفات قيم الشعب الجزائري، والتي تكمن في مرجعية بيان أول نوفمبر، والذي اجتمع عليه الشعب الجزائري يومًا.

إن الدولة بنموذجها الغربي ليست شرًّا كلها، ولا يمكن نكران تجربتها التي أوصلتها إلى امتلاك القوة بكل مناحيها، ولكن لا يجب الأخذ بكل ما جاءت به؛ فتجربتهم قائمة على مسار محدد، وبيئة معينة تختلف في جوانب كثيرة منها عن بيئتنا، وتختلف عن توجهاتنا العقدية والقيمية، في النظر إلى القضايا الجوهرية التي تحكم المجتمع وتسوسه.

فبيان الدولة النوفمبرية المنشودة اليوم يجب أن يستند إلى ما جاء به بيان نوفمبر، وهو القائم على بناء دولة اجتماعية في إطار المبادئ الإسلامية، وهذان القيمتان يجب أن تكونا جامعتين للجزائريين اليوم، من منطلق أن الجزائريين اجتمعوا في يوم من الأيام حولهما.

إن بيان غرة نوفمبر يعد مرجعية الدولة الجزائرية، التي ينوي الشعب الجزائري إعادة بعثها بعد أن قبرها النظام البوتفليقي، وقبرتها السلوكات السياسية المافيوية، والمفارقة هنا أن سعي الحراك الشعبي لإعادة بعث الدولة الجزائرية يحمل نفس خصائص سعي بيان نوفمبر لإعادة بعث الدولة الجزائرية، التي قبرها الاستدمار الفرنسي، ويمكن إجمال تلك الخصائص في:

– جاء بيان أول نوفمبر 1954 نتيجة لانسداد الأفق في استرجاع الكرامة، في ظل تعنت فرنسي لا يريد أن يسمع صوتًا جزائريًّا، وبعد أن دخلت الحركة الوطنية في سياق جديد بعد مذابح 8 مايو (أيار) 1945 اتصف خاصة بالقطيعة التامة مع المستدمر الفرنسي.

وهو تقريبًا الوضع نفسه الذي عاشه الشعب الجزائري مع النظام البوتفليقي، فبعد اختطاف البلد لصالح أقلية أوليغارشية استولت على مقدرات الوطن خدمة لمصالحها الضيقة، ضاق الشعب ذرعًا بهؤلاء؛ فقرر تنحيتهم وإقالتهم واستعادة الدولة.

– إن تحليل سنوات ما قبل الثورة، والتي اتسمت بحركات التحرر الوطني، خاصة في البلدان الإسلامية والأفريقية التي هي مستعمرات فرنسية، أعطى الحافز للجزائريين لتنظيم أنفسهم، والانطلاق في ثورتهم، وهو سياق مماثل لما يحدث اليوم من حركات احتجاجية على الأوضاع السائدة، وثورة الشعوب على الحكام في بعض البلاد العربية، وما يطلق عليه الربيع العربي.

– لم يأتِ بيان أول نوفمبر من فراغ سياسي، بل جاء نتيجة لانسداد الأفق السياسي من جهة، ومن جهة أخرى جاء نتيجة عدم قدرة أحزاب الحركة الوطنية على تعبئة الشعب الجزائري من أجل ثورة شعبية تعيد له كرامته، والأمر نفسه يحدث اليوم؛ فلم يأت الحراك الشعبي من فراغ سياسي، بل إن الساحة السياسية تعج بالأحزاب التي تدعي كلها المعارضة، وإنما جاء نتيجة لعدم قدرة هاته الأحزاب على تعبئة الشعب الجزائري خلف مشروع سياسي واضح المعالم، يقف في وجه السلطة، ويعيد الدولة إلى الشعب.

الفارق الوحيد بين بيان أول نوفمبر، والذهاب إلى الثورة المسلحة، والحراك الشعبي اليوم، هو أنه يمكن القول من الناحية الاستراتيجية إن الذين أعدوا بيان أول نوفمبر لم يكونوا على عجل من أمرهم، فقد قاموا بذلك بتأنٍ وأخرجوه بشكل جيد وراقٍ جدًّا.

إن بيان نوفمبر دعا إلى إقامة دولة، وعليه فإن هذه الوثيقة كانت وما تزال منصة مهمة جدًّا لأي بناء موحد، لأنها كانت مشروعًا لدولة جزائرية حرة وديمقراطية، وهي اليوم كذلك صالحة لبناء دولة الحريات والحقوق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد