لم يعد خافيًا ولا سرًّا تباين المواقف العربية العربية حيال ما يحدث في سوريا، ولم يعد من الممكن تجاهل وجود اختلافات عميقة في وجهات نظر العواصم العربية الكبرى حيال التعاطي مع الأوضاع في سوريا! ولعل أبرز مظاهر ذلك يتمثل في تصويت مصر  لمصلحة مشروع القرار الروسي في مجلس الأمن الدولي بشأن الأزمة السورية، والذي رحبت به الإمارات، وقوبل باستياء واضح من المندوب السعودي لدى الأمم المتحدة عبد الله المُعلمي، واصفًا التصويت بالمؤلم، ومندوبة دولة قطر «علياء آل ثاني» التى عبرت عنه بالمؤسف.

الإشكالية في هذا المشهد ليست في موقف مصر، ولا في استياء السعودية وقطر، ولكن في تباين المواقف العربية بشكل يضع أكبر قوى مؤثرة في العالم العربي في الوقت الراهن في موقف متضاد، ما يجعل الحديث عن دور عربي جماعي مشترك في تسوية الأزمة السورية بعيدًا عن الآمال والطموحات، على الأقل في ظل الوضع الراهن.

خلال الجلسة الثامنة والعشرين للقمة العربية كانت هناك معركة خفية، حيث تواجه تفكك العرب حول مطالبها، فهناك مؤيدون للثورة ومطالبها، ومنهم من يؤيد بشار ويسانده ويرفض رحيله عن السلطة السورية، وبذلك ظل المقعد خاليًا.

إذا كانت هذه السياسة تجاه الدولة المكلومة، فلماذا إذن يبكي العرب على صغار سوريا وكبارها الذين ذهبوا ضحايا لمجازر الأسد، ألستم أنتم من دعمتوه ورأيتم في التدخل الروسي الحل وقدمتم المعونة، ألستم من أطفأ شمعة الطفولة بريح الظلم العاتية خوفًا على كراسي الحكم؟ فلماذا تتاجرون بآلامهم إذن الآن؟

وعلى الصعيد الدولي شهدنا عقد العديد من الاجتماعات والمحادثات، وكان آخرها محادثات «جينيف 5»، والتي انتهت بلا نتيجة كسابقاتها، كل ما يحدث يؤكد أن التاريخ يعيد نفسه الآن كما حدث في الحرب التي خاضتها ليبيا بقيادة فرنسا، والعراق بقياد أمريكية من قبل.

ثلاثون شهرًا قضاها المبعوث الدولي إلى سوريا دي ميستورا كانت الأقسى في عمر الثورة السورية والأقسى على السوريين، فخلال ولايته تم إفراغ كامل محيط العاصمة دمشق من سكانه، وإفراغ شرق حلب الذي كان يشكل أقوى ثقل للثورة السورية في شمال البلاد، بالإضافة لإفراغ آخر نقطة من مدينة حمص من سكانها، وتسليم كامل المدينة للنظام بعد تهجير حي الوعر.

وكل تلك العمليات الديمغرافية تمت على إثر خطة جاء بها دي ميستورا لأجل حل الصراع في سوريا كما يقول، ويمكن اختصارها بإيجاد هدنات أو مصالحات مؤقتة لكل منطقة على حدة. وسمحت هذه السياسة لنظام الأسد بتركيز قواه في مكان واحد ضد المعارضة، ثم التفرغ لمكان آخر، بمعنى أن النظام استثمر خطة دي ميستورا لصالحه.

 منسقة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني، طلت علينا بعد كارثة إدلب، وكأنها من كوكب آخر، تدعو إلى محاكمة المسؤولين عن هذا الهجوم، مؤكدة أنه «لن نقبل بأن يقوم طرف بتدمير سوريا، وأن تدفع أوروبا الفاتورة»!

وخلال هذه الأحداث الدامية يظل الشعب السوري وحده هو من يدفع ضريبة الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية التي نادى بها منذ بداية ثورته، ولم يجد سوى القتل والتعذيب والدمار والتهجير واللجوء إلى البلاد الأخرى متعرضًا للخطر، وإن نجا تكون المهانة هي سمة حياته، فيا من تنادون بحقوق الإنسان، فيا من صدعتم رؤوسنا بالحقوق والحريات والديمقراطية، يا من دافعتم عن النساء والأطفال وعن حقوقهم، هنا في بقعة من الأرض لا تسمعون عنها ولا تعلمون عن حجم الهول الذي تراه، لا تبكوا على أهل سوريا وتتاجروا بأطفالهم؛ بل ساعدوهم أو اتركوهم في شأنهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد