منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في الرابع والعشرين من فبراير بعد خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي أعلن فيه عن عملية عسكرية خاصة في أوكرانيا لحماية الأقليات الناطقة بالروسية ونزع سلاح أوكرانيا والقضاء على من وصفهم بالنازيين الجدد فيها، وهذا بعد أيام قليلة من اعترافه بالجمهوريتين الانفصاليتين شرقي أوكرانيا باقليم دونباس «لوغانسك» و«دونييتسك» المدعومتين من موسكو قبل هذا الاعتراف بمدة طويلة وهذه الحرب هي محط أنظار العالم من خلال تغطية إعلامية غير مسبوقة لحرب في التاريخ لا أدري إن كانت لضخامة الحدث أم لغرابته فالمواطن الغربي يستغرب ويستنكر وجود حرب في قارته العزيزة وهذا تجل من تجليات تمركز الغرب حول نفسه.

التضخم الإعلامي:

وبالطبع نحن لا نتحدث هنا عن وسائل الإعلام العربية، فما هي الا ناسخ وناقل، لكن المستغرب حقيقة هو محاولة هذه القنوات غربيها وعربيها فرض التعاطف مع هذا الشعب الأوكراني في حين أنه هنالك الكثير من الشعوب حول المعمورة تتعرض للاضطهاد والتهجير والتنكيل بما يفوق ما يتعرض له الأوكرانيون اليوم وكذلك محاولة فرض رؤية معينة حول الحرب وحول من هو المعتدي ومن هو المعتدى عليه.

توسع الناتو:

مند انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 ومعه حلف وارسو المكون أساسًا من دول أوروبا الشرقية وتأسيس الاتحاد الفيدرالي الروسي وحلف الناتو آخذ في التمدد والتوسع في اتجاه الحدود الروسية دون وجود ضرورة إستراتيجية تسوغ ذلك وتبرره، فروسيا ليست هي الاتحاد السوفيتي ولا هي التهديد الذي كان يشكله للغرب قبل انهياره، لقد انتهت الحرب الباردة لكن الساسة الغربيين ما زالوا يفكرون ويبنون سياساتهم بعقلية الحرب الباردة!

وكما يبدو فقد أدى ذلك إلى استيقاظ المارد الروسي (بعد الفترة الليبرالية تحت بوريس يلتسن) بعد طول حك لمصباحه، وبالطبع لن تكون هنالك حرب باردة جديدة فروسيا أضعف من ذلك بكثير فدولة اقتصادها أصغر من اقتصاد ولايه تكساس الأمريكية تعجز عن مجاراة أمريكا وحلفائها الأوروبيين، لكنها ليست أي دولة هي دولة تملك اكبر ترسانة نووية في العالم.

عرف حلف الناتو حملتين كبيرتين للتوسع تجاه روسيا عام 1999 وعام 2004 أمام استنكار وشجب وتهديد روسي لكن عام 2008 وبعد إعلان الحلف في قمة بوخارست عزمه ضم جورجيا وأوكرانيا له، بلغ سيل الغرب واستفزازاته زبى الأمن القومي الروسي فبعد أشهر قليلة من هذا الإعلان غزت روسيا جورجيا ودخلت أبخاسيا وأوسيتيا دون تحرك غربي يذكر، وفي عام 2014 بعد عزل الرئيس الأوكراني الموالي لروسيا، فيكتور يانوكوفيتش، وتنصيب حكومة ذات توجهات غربية لم تتردد روسيا وسط هذه الاضطرابات في دخول شبه جزيرة القرم ذات الأغلبية القومية الروسية بعد تصويت برلمانها لصالح الانضمام للاتحاد الفيدرالي الروسي، واليوم تعد روسيا شبه جزيرة القرم جزءًا لا يتجزأ من أراضيها وميناء سيفاستوبول جنوب هذه الجزيرة ذو أهمية بالغه لموسكو، إذ يمر جزء كبير من تجارتها عبره.

من المسؤول؟

«الغرب هو الملام في الحرب الأخيرة على أوكرانيا»، كما قال جون ميرشايمر (البروفيسور في جامعه شيكاغو وصاحب كتاب مأساة سياسة القوى العظمى وأطروحاته حول الواقعية الهجومية لاقت صدى واسعًا في الأوساط الأكاديمية الغربية) بتوسعه وتهديده لروسيا، ومن خلال تشجيعه لأوكرانيا لمحاربة الروس، أمام عدم مبالاة الغرب بتخوفات موسكو الأمنية لم يكن أمام موسكو إلا التحرك، وهذا لب أطروحات ميرشايمر حول القوى العظمى، فحسب ميرشايمر فإن القوة العظمى عندما تشعر بالتهديد لأمنها ولوجودها «وهذا ما جاء على لسان بوتين نفسه» فإنها ستضرب بكل قوة ودون رحمة والأدلة التاريخية على هذا كثيرة (أمريكا 1962 أزمة الصواريخ الكوبية، الصين 1950، الحرب الكورية).

من الغباء بمكان حشر قوة نووية في الزاوية، فالقوة النووية العظمى عندما تحشر في الزاوية فإنها ستدمر الزاوية وكل شيء أمامها، يستبعد الكثيرون نشوب حرب نووية بسبب عقيدة الدمار المشترك المؤكد (MAD: Mutual Assured Destruction) وهي بالفعل مستبعدة.

-لكن إذا حدث وحصلت حرب نووية فإن سببها سيكون حشر قوة عظمى نووية في الزاوية ناهيك عن وجود تقارير وتحليلات عن إمكانية استخدام روسيا لسلاح نووي تكتيكي في حالة تدهور الأوضاع في الجبهات فعكس التوقعات صمد الجيش الأوكراني بفضل الدعم الغربي ومن خلال دفعات الأسلحة المختلفة التي قدمت لها (صواريخ ستينغر أرض- جو: التي أثبتت نجاعتها ضد السلاح الروسي في حرب السوفيت على أفغانستان عام 1979حيث كانت الاستخبارات الأمريكية تزود بها المجاهدين الأفغان، وكذلك صواريخ جافلين المضادة للدبابات) بالإضافة إلى الدعم الاستخباراتي الذي تقدمه (CIA) للأوكرانيين عبر تزويدهم بمعلومات عن تحركات القوات الروسية وعن مواقع الجنرالات الروس وقادة الجيش الروسي لاستهدافهم.

كل هذا أمام عدم فاعلية الجيش الروسي على الأرض وعدم تحقيقه أهدافه المرحلية بعد أكثر من أربعين يومًا على بدء الحرب وعدم قدرته على تحقيق حسم عسكري واضح، فكلما طالت الحرب ودخلت في خانة حرب الاستنزاف كان الوضع اسوأ لروسيا.

المناخ الدولي:

تراقب دول العالم ما يجري في أوكرانيا بحذر وتوجس فالصين على سبيل المثال قد تتحرك ضد تايوان إذا لم تر حزمًا وصرامة غربية تجاه روسيا والشيء نفسه مع كوريا الشمالية وجارتها الجنوبية، المؤكد هو أننا على أعقاب عالم جديد ذي متغيرات وحسابات جديدة بعد أن خلطت هذه الحرب أوراق العديد من الدول، عالم تسعى موسكو وبكين إلى أن يكون متعدد الأقطاب بعد الانفراد الأمريكي طيلة الثلاثين عامًا الماضية بدور شرطي العالم وغياب منافسين حقيقيين لها.

لكننا نشهد اليوم صعود صين قوية تعدها أمريكا الخطر الحقيقي والتهديد الإستراتيجي الأكبر لمصالحها، ويمكن القول إن منطقة شرق آسيا ستكون هي ساحه النزاع الدولي في القرن الواحد والعشرين بفعل التمدد الصيني محاولة الصين فرض نفسها قوةً مهيمنة على هذه المنطقه البالغة الأهمية لأمريكا، فبعد أن كان سلم الأهميه الإستراتيجية للولايات المتحدة على الشكل التالي(1.أوروبا 2. شرق آسيا 3. الخليج العربي) أصبح كما يلي(1.شرق آسيا 2. الخليج العربي 3. أوروبا).

-من ردود الفعل المهمة والخطيرة على هذه الحرب التحركات الأخيرة في ألمانيا في ما يتعلق بميزانية الدفاع والعقيدة العسكرية الألمانية الجديده أمام توجس فرنسي؛ إذ أصبح الإنفاق العسكري الألماني يفوق نظيره الفرنسي، وكما هو معروف في عالم السياسة في الدولة ذات الاقتصاد القوي وعدد السكان الكبير تكون محط الأنظار وإن كان جيشها ضعيفًا، إذ بتوفر تلك الميزانية يصبح تشكيل قوة عسكرية، فهل سنشهد عودة ألمانيا مستقله دبلوماسيًّا وعسكريًّا عن الأخ الكبير الأمريكي؟

يحذر الكثيرون من أن بوتين يحاول إعادة أمجاد الاتحاد السوفيتي وأمجاد روسيا القيصرية، وهذا غير صحيح، فكما سبق وذكر فروسيا أضعف من ذلك وأي توسع غير محسوب سيكون الغرب هو المستفيد منه وهذا مستبعد بعد تجارب (الاتحاد السوفيتي في افغانستان 1979، أمريكا في أفغانستان 2001، أمريكا في العراق 2003)

مستنقعات أمنية تستهلك الدول العظمى ومقدراتها وبوتين يعي ذلك تمامًا ومع ذلك أقدم على خطوة أوكرانيا، مما يظهر مدى ضرورة الأمر وأهميته لموسكو.

الانعكاسات على العالم العربي والإسلامي:

الحرب في أوكرانيا ستكون لها انعكاسات كبيرة على العالم العربي والإسلامي ويتخذ هذا التاثير أشكالًا مختلفة منها الإيجابي ومنها السلبي، فالمستفيد الأكبر بالطبع من هذه الحرب هي الدول المصدرة للنفط والغاز (الجزائر، قطر، السعودية..) مع الارتفاع الصاروخي في أسعار النفط.

أما الخاسرون فهم مستوردو القمح الروسي والأوكراني وأكبرهم مصر ومستوردو الطاقه عمومًا، ولهذه الحرب كذلك إرهاصات على القضيه الفلسطينية، فهناك آلاف اليهود الأوكرانيين الذين يتوقع وصولهم إلى إسرائيل، والذين سيصبحون بالطبع مستوطنين في الضفة الغربية، فحتى متى نظل رهناء لتقلبات الاوضاع الدولية ولصراعات القوى العظمى وحتى متى نظل المفعول به لا الفاعل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد