وما زال للقصة بقية في بلد الله الواحد، العالِم بما تنتهي قصته، وعلى يد أي كاتب خط سطور مشاهده الأخيرة، وأي مخرج وهم كُثر بتجاربهم الإخراجية، سيبث فيه روح الإبداع المر، في قصاصات فيلمه، وأي منتج، وممول سيتحمل تكلفة هذا الفيلم.

سيناريو كل يوم قابل للتعديل، حسب هوى مديري الإنتاج، ومخرجي الفيلم -ولا حول ولا قوة إلا بالله- للمشتركين بالفيلم، ومواقع التمثيل واسعة ومتسعة؛ من تعز إلى عدن، وانتهاءً في حضر موت، وفي كل موقع تصوير، لا يخلو الأمر من الأكشن بدماء حقيقية، إثبات للحقيقة، وتصويرًا جماليًّا مدفوع الثمن، والعاقبة للمتقين.

بعد ثلاث سنوات ليس خفي على الكل، وبكل موضوعية أن التحالف هو المشكلة في اليمن، هو من يتحمل الذنب من الألف إلى الياء، مَنْ يُنكر أن مَنْ دعم الرئيس السابق «علي عبد الله صالح» وأعطاه حصانة، ومن معه؛ كانت المملكة العربية السعودية، ومن أدخل «الحوثي»، واستباح صنعاء، ومن بعدها اليمن شمالًا وجنوبًا، كان بإيعاز من الإمارات؛ الحليف رقم واحد للمملكة العربية السعودية، والهدف القضاء على حزب الإصلاح، وهذا الكلام القاصي والداني يعرفه.

المهم في الموضوع أننا الآن أمام رئيس قابع في الرياض، يُدار من قِبَل قيادة التحالف، بشهادة وزرائه، الذين قدموا استقالتهم على رأسهم «عبد العزيز جباري»، الذي هو في الأصل مستشار للرئيس.

ما يعيشه اليمن هي مهزلة لا ينساها التاريخ، يتحملها التحالف أولًا، و«الحوثي» ثانيًا؛ «الحوثي» يملك مشروعًا واضحًا من البداية؛ السيطرة على الحكم، وتطويع اليمن؛ من أجل تكون تابعة لإيران، هذا الكلام لا ينكره أحد، لكن المصيبة في التحالف الذي لا نعرف في أي طرف يقف، كل المؤشرات، وكل ما يتم على الأرض، بما لا يعطي شكًا، أن التحالف ضد مشروع يمن موحد، يمن مستقل، من خلال عبث الإمارات بمحافظات الساحل، وتطويع ميليشيات قابعة للهيمنة الإماراتية.

من المضحك المبكي -على سبيل المثال-؛ تعز التي تغنى التحالف، ورقصت الشرعية على هوى التحالف قصة تحريرها، وكأن تعز حُصرت فقط في ميناء المخاء، الذي تم تحريره، وتوقف كل شيء، وكأن بقية المدينة لا يهم، لكن من الواضح هوس الإمارات العربية المتحدة بالموانئ اليمنية قد فاق حده.

ما يتم في اليمن هو صورة طبق الأصل عما يجري في ليبيا، إلا أن «خفـتـر» ليبيا في اليمن، قَيد التصنيع، بعد أن فشلت مصانع الإمارات، تصنيع وتعليب وتدوير بعض مخلفات النظام السابق، مثل «طارق» الذي ارتمى في حضن التحالف، الذي يغفر ويعفي عما سلف بسرعة، لدرجة أن يصبح قائدًا في النظام السابق، وشريك الحوثيين على مدار أعوام، بلمح البصر، كمن ولدته أمه جاهزًا للدفاع عن الوطن، والجمهورية، والشرعية؛ لذا لا نستبعد أن نرى يومًا ما محمد علي الحوثي، وعبد الملك الحوثي، وأبو علي الحاكم في جوار التحالف؛ فعدو اليوم ليس عدوًا للأبد، فالسياسة لا ترى صديقًا للأبد، ولا عدوًا للأبد.

من زاوية متواضعة يتضح أنه بكل بساطة، تم صوملة اليمن، لكن بطريقة أسوأ؛ منذ الصغر كنا نتكلم عن الصومال، باعتبارها مثالًا لما تخلفه الحروب والصراعات، على لا شيء، وعلى ثمن التدخلات الخارجية، وعلى الثمن الذي يدفعه الشعب لجماعات سلمت رقبتها وظهرها لراكبيها، غير مبالين بالعُرف، والدين، ولا آبهين لشعب وأرض، كُتب له أن يعيش حرًا على أرضه، وعلى ترابه، المهم ليس الخوف الآن، فنحن نعيش فترة حرب بكل ما تعنيه الكلمة، المهم القادم أسوأ؛ لأن الآن العدو واضح، هو الحوثي في الأخير، يمكن أن يتم حسم الأمر عسكريًا أو سياسيًا على الأرجح، لكن الخوف من شلل جماعات الإمارات، في كل محافظة مثل حضرة أبو العباس في تعز، والحزام الأمني، والنخبة الحضرمية، والقائمة تطول.

كلمة حق تُقال إلى كل يمني، بداية من الرئيس «عبد ربه منصور هادي» المغلوب على أمره إلى أصغر مواطن، إلى الحوثي، إلى الأحزاب اليمنية كافة؛ أَمَا آن الأوان، أن تفيقوا من سباتكم، ثلاث سنوات كافية لكشف الصورة، أنه لا غالب ولا مغلوب، إلا أن الوطن والمواطن ضاعوا، مَنْ ستحكمون؟ أفلا تتفكرون؟!

إلى أحزاب اليمن القابعة طوعًا أو كرهًا في الرياض، لن تنفعكم الرياض حتى لو قدمتم القرابين، لن ترضى عنكم، هذا ليس تخمينًا، هذا ما يرويه التاريخ على مدى عشرات السنين، اقرؤوا وعوا.

طوال السنوات الماضية، وبكل وضوح دأب التحالف على إهانة المواطن اليمني، على سبيل المثال وليس الحصر، المطارات المغلقة، مطارات قابعة تحت التحالف والشرعية، ومع ذلك مغلقة، وإن فتحت أبوابها ما تلبث أن تُغلق بدون سبب، طائرات بعدد الأصابع، والمسافرين كُثر؛ لذا الدخول أو الخروج من اليمن، أشبه بمسلسل «بريزون بريك»، ليس للمبالغة لكن هذه الحقيقة المرة.

قضية الجنوب ومع الأسف فقدت جوهرها، بعد أن أصبحت مثل زر التشغيل، متى ما تريد الإمارات تضغط على تابعيها؛ ليقوم ما يسمى المجلس الانتقالي بحاشيته، للتحرك ضد الشرعية، في عقر دارها، في عدن، والتي توقفت بتوجيه أيضًا من الإمارات، في هذه النقطة إهانة واضحة، لمن كانوا يرفعون مشروع الانفصال باعتباره مشروعًا حقًا يستحق المطالبة به، لكن عندما تدار التحركات من الخارج، يتضح زيف القضية، ومن يعمل عليها، فالحقوق تنتزع بأيدي أصحابها، لا بتوجيه تابعيها للخارج.

في مسلسل المعاناة، وتعريجًا على قضية المغتربين اليمنيين في المملكة، وما آلت إليه أوضاعهم، بعد تسارع عجلة القوانين الجديدة، وتطبيقها، قد يقول قائل المملكة حرة، بما تعمل، ولها الحق باتخاذ كل الإجراءات، باعتبارها دولة لها سيادة، لها كل الحق، لكن بعدما ألزمت نفسها في التدخل في اليمن، الذي فشل حتى الآن، ملزمة بمراعاة المغتربين اليمنيين، وإعطائهم الامتيازات الخاصة، إلى أن يتعافى اليمن، في هذا الوضع الراهن، إذا كان المواطن اليمني يحاول الفرار بروحه من اليمن إلى الخارج، يتم إعادة المغترب اليمني كرهًا إلى الداخل، مع الأسف لا يوجد منطق، ولا مبرر، لا الزمان ولا المكان مناسبان لمثل هذه الإجراءات.

ليت التحالف يعلم! وهو يعلم أن الوقت والمماطلة ليس من صالحه، الشعب بالداخل والخارج يعاني، الشعب مطالب بثورة جديدة، على الكل شرعية، وحوثي، وتحالف سوية، لكن الشعب الآن يكافح من أجل البقاء في الوقت الراهن، لا يمانع أن يحكمه فرعون بذاته، يحكمه من يعيد الأمن والأمان، الشعب يعيش خوف من الحاضر، ومن المستقبل، ومن نفسه حتى، الكل يترقب بحذر، الثقة اُنتزعت من الكل، فالكل حبيس نفسه.

لا يهمنا ما يجري في الغرف المغلقة، والمهاترات السياسية، فقط نريد دولة لا عدة دول، نريد جيشًا لا ميليشيات، وتكتلات عسكرية ذات توجهات مختلفة تابعة، لا وطنية يلعب المال في هذا الوقت لعبته، فالفقر، والحاجة، والبطالة؛ دفعت الكثير إلى الارتماء إلى طرف الحوثي، أو الشرعية للقتال فقط، من أجل لقمة العيش، وما أشدها حين تسلب أرواح الآلاف على هذا الشكل.

يتفكر الكثير في الوقت الراهن، ماذا يريد التحالف من الحوثي؟ لماذا كل طول البال؟ قيادة الحوثي تتحرك على الأرض بحرية أكثر من حكومة الشرعية، التي لا تلبث أن تغادر عدن إلى الرياض، بين الحين والآخر لأسباب أمنية، ربما المشهد الأخير بين الحوثي والتحالف لم يتم تصويره حتى الآن، نهمل ذكر الشرعية تعمدًا؛ لأن الحاكم الفعلي الآن التحالف، هو من سيحدد شروط الحل، والوضع في اليمن.

في نهاية المطاف، سينتهي الفيلم بتكلفته الباهظة، وسيحتفل مخرجو الفيلم بما حققوا، عندها ستبدأ المتاجرة والدعاية، وتنتهي بتقسيم الأرباح؛ فالكبير فيهم واقعيًا نصيبه سيكون أكبر، ولا مقارنة بالكومبارس، وهم كُثر، هذه حقيقة ما يجري في اليمن.

وما زلنا نحلم بوطن ضاع، أو ضُيّع من بين أيدي شعب دفع الثمن غاليًا، وطن أنهكته المشاحنات والحروب، أنهكته لغة الأنا والأنانية والمناطقية، كُثر المتباهين على أرضه، ومالهم عليه من سلطان، والكل يعمل تحت رحمة الخارج كما يريد، الكل يدعي الوطنية والانتماء، والجميع على وترها تعزف موسيقى الموت، فلا الوطنية رأت منهم خير، ولا الوطن، غير أن رائحة الموت تفوح من كل مكان، وما زلنا نحلم أن يفيقوا.

هي سُنة الحياة، وما تم فرضه على اليمن من أبنائه، أو من الخارج، مسألة وقت لا غير، بعدها سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، فالله غالب على أمره. الطمع في حد ذاته فخ، وحب التوسع على حساب أهلك، وملتك، وجيرانك هو حفرة تحفرها لنفسك؛ لأنك لن تعيش بمفردك، إما نعيش سويًا، أو ندفن في نفس الحفرة التي حفرتها، ليت الإمارات تفطن حقيقة ذلك!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد