مع بداية خريف عام 2003 م، أطلق وزير الدفاع السابق (دونالد رامسفيلد) شرارة حرب الأفكار ضمن ما أسمته الولايات المتحدة الحرب على الإرهاب، فقد أدلى لصحيفة (واشنطن بوست) آن ذاك بتصريح يقول فيه:

 

“إننا نخوض حرب أفكار، مثلما نخوض حربًا عسكرية، ونؤمن إيمانًا قويًا بأن أفكارنا لا مثيل لها .. إن هذه الحرب تستهدف تغيير المدارك، وإنه من المحتم الفوز فيها، وعدم الاعتماد على القوة العسكرية وحدها”. إذًا ليس على الولايات المتحدة أن تضحي بكثير من المال والدماء لتصل إلى بُغيتها، ما داموا قادرين أن يصلوا بأقل التكاليف، وما دامت أدمغة الشرق المسلم حقولا خصبة لأفكارٍ قال عنها مُطلق شرارتها أنها لا مثيل لها.

 

يقول ( هاملتون جب ) المستشرق الإنجليزي: “هذا التعليم هو السبيل الوحيد لتغريب البلاد الإسلامية، لقد كان التركيز قويًا لإنشاء الطبقة التي تأخذ نهائياَ بوجهة نظر لا سلطان للدين عليها، وحينئذٍ يمكن الجلاء عن أرضها وتسليم زمام السلطة فيها، لأنها امتداد لفكر المحتل”

 

هكذا إذًا اتفقت رؤاهم وتوصلوا إلى أن حرب الأدمغة والأفكار أشدُ فتكًا من تلك الحروب العسكرية باهظة التكاليف، والتي قد صَعُبت عليهم شيئًا ما إذ وضعتهم في موقف العدو الأول أمام هذه الشعوب، فلم تفلح غاراتهم ولم ينجح غزوهم مهما طال، فكان لا بد من تغيير هذه الإستراتيجيات، والبدء أولًا بتغيير القناعات، والوقوف على تلك العقائد والأخلاق التي كانت سدًا منيعًا أمامهم في إستراتيجياتهم القديمة.

 

ومن البداية ارتكزت تلك الأفكار على أسسٍ صلبة، بها يقوم البناء أو بالأحرى إعادة البناء لتلك العقول التي ترفض الخضوع للحاكم الجديد، وتراه إلهًا يعبد من دون الله، وأنا هنا لا أميل لنظرية المؤامرة التي شبعنا منها وألصقنا بها كل ما عجزنا عنه، فالأمر لا يحتاج إلى مؤامرة خفية أو اجتماعات سرية، فالجرائد والصحف لا تخفي شيئًا، والعاقل يستطيع تجميع الخطوط وربطها فقط لتكتمل الصورة.

 

فكان الأساس الأول الذي ارتكزت عليه تلك الإستراتيجية هو العمل على إفساد أخلاق وقيم هذه الشعوب وكما يردد الشيخ البليغ (على القرنى): “إن الأمة التي لا تجعل الأخلاق مِلاكها، أمةٌ تتعجل هلاكها” كذلك قالها زوير – رئيس المبشرين – في مؤتمر القدس عام 1934 م: “… ونريدُ أن نخرج جيلًا لا صلة له بالله، ولا صلة له بالأخلاق التي تقوم عليها الأمم”.

 

إذًا فقد اتفق  الشيخُ والمُبشر على أن الأخلاق تُقيمُ الأمم رغم اختلاف المُراد، فبات كل فاسدٍ من الأخلاق في بلادنا رمزًا للرقى والحضارة، باتت الحانات متاحة للجميع، وأصبحت بلادنا متصدرة لمعدلات مشاهدة الأفلام الإباحية فجاءت مصر في المرتبة الخامسة وسبقتها الإمارات بمرتبة شرف أعلى فجاءت في المركز الرابع والقائمة مليئة بالدول العربية.

 

في حين أنك ترانا في ذيل كل قائمة  تحمل اسم  “صحة” ، أو “تعليم” ، أو “بحث علمي”، أو “ابتكارات”، وصارت أبواقنا الإعلامية تصدح صباحَ مساء بتمجيد الملك والرئيس، وتهتم بكل تافه فقط أما ما قد يفيد هذه الأمة ويوقظ وعيها فلا. حتى وصلت بنا السفاهة أن تجد إعلاميًا يُرِى المشاهدين جودة ال( Sweet ) الذي يعلن عنه ببرنامجه!

 

وأما المرأة فقد بدأت ثورتها الحداثية الغربية على هذا الدين بقصدٍ أو دون قصد، فبدأتها منيرة ثابت (أول صحفية مصرية) وكانت هدى شعرواي المثال العامل لتلك الأفكار فتقدمت المظاهرات النسائية وقامت بحرق الحجاب في الشارع، ومن ورائها رفيقاتها آنسات الرقي والتقدم والحداثة، وصدرت الصحف تنافح عن تلك الحقوق المزعومة كمجلات (فتاة الشرق)، ومجلات (المقتطف)، و(المصور)، ونادى أحمد لطفي السيد (رائد التنوير) بالتعليم المختلط وفرضه على الجامعة المصرية.

 

وها هم الأوائل ولدينا نحن اللواحق فترى الفنانة تصرح وتقول: أن  الجنس قبل الزواج لا عيب فيه، وما آراء الدكتورة نوال السعداوي في الحجاب منا ببعيدة، والباحث في الأمر يجد ما قد يبرهن أكثر على هذا الأمر، والمقام لا يتسع هنا لذكرها.

 

وها هو الأساس الأول الذي قامت عليه هذه الأفكار والتي ارتكز بشكل كبير على نزع الشرق المسلم عن كل خُلقٍ تقوم عليه حضارةُ أمة، وقد نجحت الفكرة بامتياز، وكنا لها تلاميذ نجباء، وكان وكلاؤهم من بني جلدتنا خير مشرف ومتابع لهذه الفكرة.

 

بقي لنا أساسان يدوران حول فكرة مصادر التشريع الإسلامي، وتمزيق جسد هذه الأمة فكريًا وجغرافيًا، نتحدث عنهم في مقالنا القادم إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, أمة, حرب, صراع

المصادر

[1] موقع الموسوعة الحرة، ويكيبيديا.
عرض التعليقات
تحميل المزيد