كل المفكرين والمحللين الساسة الغربيين، يرون أن العالم اليوم، مؤهلًا لكي يستقبل حربًا عالمية ثالثة، قرائن الأحوال ومعطياتها تؤكد ذلك، وأن مسألة نشوبها مجرد وقت ليس إلا، بيد أن الموضع الذي ستوقد فيه الشرارة الأولى لنشوبها يصعب التكهن به. لكن الشاهد والمتأمل أن منطقة الشرق الأوسط هي أكثر المناطق المؤهلة لتكون مسرحًا لهذه الحرب، نسبة للصراعات الكبيرة التي بين الدول الغربية، والقوى العظمى، والسلاح الكثيف المتواجد بين الأحزاب والحركات، والعشائر الأهلية وغيرها، وبالتالي إن الأوضاع آيلة للسقوط في أي وقت فيه.

وبالعودة للتاريخ قليلًا، قُدر لمنطقة الشرق الأوسط أن تكون هكذا، مطية لكل الدول الاستيطانية والاستعمارية بشكله الجديد والقديم، فهذه المنطقة هي مهبط للوحي والرسالة المحمدية، ومنها تكونت حضارات العالم، وانطلقت العلوم والمعارف لشتى بقاع العالم، لخصوصية الموقع والجغرافيا. هي تمثل الرابط بين القارات الثلاث أفريقيا – أوربا – آسيا، بالإضافة إلى الحدود المفتوحة على الماء ما بين المحيط والخليج، هذا إلى جانب الثروات التي حظيت بها، جعلها تمثل الاحتياطي العالمي لأهم مورد في تاريخ البشرية «البترول»، كذلك المواد المعدينة، والثروات الحيوانية والنباتية، بالإضافة إلى أصول الثقافة والفنون وعلوم الحضارة، التي تحتضنها، فهي مرجعية لكل هذه الثروات التي تزخر بها منطقة الشرق الأوسط، جعلتها مطمعًا لكافة الدول الغربية والقوى العظمى، كإيران وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وتركيا وإسرائيل، فأصبحت مسرحًا تختلف فيه هذه الدول فيما بينها وتتفق، وميدانًا تختبر فيه موازين القدرة والقوة والكفاءة والشدة والعجز.

وبالرغم من أن هذه المنطقة هي أكثر بقاع العالم تجانسًا، من حيث وحدة الانتماء الديني والقومي والثقافي والاتصال الجغرافي والتاريخي، من بين كثير من بلدان العالم الموحدة في عالم اليوم، إلا أنها غير ذلك، ورغم الأسباب الموضوعية هذه إلا أنها أكثر تجزءًا إلى دويلات داخل الدولة الواحدة، هذه التجزئة كرستها الدول الغربية والقوى العظمى التي ذكرتها أعلاه، منذ أيام الحرب الباردة.

أكثر الدول التي نالت حظًا أوفر من ثروات وخيرات هذه المنطقة هي الولايات المتحدة الأمريكية ثم إيران، ثم إسرائيل، فهذه الدول كونت شراكات منفردة مع دول هذه المنطقة خاصة الدول العربية والإسلامية، فكونت حلفًا كبيرًا من النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي، ونمت فيها الاستثمارات الغربية، من خلال تملكها لشركات البترول، وتحويل جزء من ملكية هذه الشركات للمالك الوطني بهذه الدول، فأضحت المعادلة كالآتي: السوق الغربي أكبر مستهلك للبترول المنتج من هذه المنطقة، والسوق الاستهلاكي لدول هذه المنطقة كله من الدول الغربية، فهي تستورد غذاءها من المنتج الغربي، وتشتري سلاحها من الغرب وتستثمر أموالها في الغرب وتضع أرصدتها المالية فيه أيضًا.

ما ذكرناه أعلاه من حقائق، يؤكد مدى الاستعمار الحديث لدول هذه المنطقة ولمواردها، فهذه الدول أي الغربية، تنظر فقط لمصالحها الذاتية، ولا شأن لها بما ستؤول إليه الأوضاع مستقبلًا، ودونكم الأزمة المالية الأخيرة التي ضربت العالم، فقد هبط اقتصاد دول المنطقة إلى ما دون الحضيض، فتفشى الفقر بين الناس، فقرائهم وأغنيائهم، جراء هذا التدهور الاقتصادي، فطرحت دول المنطقة مشاكلها الاقتصادية هذه على منابر الدول الغربية، فلم تجد بدًا مما أقدمت عليه.

وبعد مرور الأزمة الاقتصادية بخيرها وشرها، عادت هذه الدول الغربية من جديد إلى منطقة الشرق الأوسط لتمارس عادتها القديمة، ولعل في مقدمة هذه الدول إيران وإسرائيل، فكلتاهما تبحثان عن موطئ قدم في المنطقة، الأولى نجحت بدليل تواجدها بالعراق ولبنان قديمًا، وسوريا واليمن جديدًا، أما الثانية، لا يهدأ لها بال إلا وبين الفينة والأخرى تجدد منارواتها وغاراتها إما على العراق وفلسطين تارةً أو لبنان تارةً أخرى.

فقبل أيام قلائل جددت إسرائيل من غاراتها على لبنان، في تصعيد جديد في المنطقة، يضاف إلى حرب التحالف العربي باليمن، والذي شهد هو الآخر شكلًا جديدًا من الانقسام، لكن هذه المرة بالتحالف نفسه، والذي كان نتيجة للتقارب الإماراتي الإيراني الذي حدث خلال الأسابيع القليلة الماضية، في خطوة غير مسبوقه لم يتوقعها الإماراتيون أنفسهم.

لكن القراءة البعيدة للتصعيد الإسرائيلي في لبنان، هو أن إسرائيل تدعو إيران للمواجهة على الأراضي اللبنانية، باعتبار أن إيران لها اليد العليا في هذا البلد، لكن على الجانب الآخر، إيران هي من تدعو أمريكا للمواجهة في هذه المنطقة، لأن لدى إيران قوة عظيمة لا يستهان بها هنا، بيد أن أمريكا اتجهت للمواجهة السياسية، ونقلت الصراع إلى نادي الدبلوماسية، رغبة منها في صنع سند سياسي كبير لاتخاذ قرارات، ربما تكون أصعب من العقوبات المفروضة على إيران، من قبل مجلس الأمن بسبب برنامجها النووي، وأن هذا السند السياسي معنيًا به الدول الأوربية التي وقفت ضد قرار ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي 2015م.

إيران من جانبها، اكتفت بالرد السياسي على إسرائيل حتى الآن، لكن إذا ما استمرت إسرائيل في حالة التأهب القصوى التي نشهدها الآن على الحدود اللبنانية، استمرت كذلك في غاراتها على لبنان، سوف تتدخل إيران بصورة فعلية في هذه الحرب، بعد أن أخذها لموقف الحياد، فحزب الله ليس لديه القدرة على الرد على صواريخ إسرائيل هذه، وهذا ما أكده حسن نصر الله في اليوم الأول للغارة الإسرائيلية الأولى التي أصابت المركز الإعلامي للحزب.

فبالتالي إذا ما استمر الحال على ما هو عليه الآن، ربما قد ينضج القرار الأمني الإيراني، وتختار إحدى السوح بالمنطقة لتكون مسرحًا لمواجهة إسرائيل، لكن الساحة اللبنانية ربما تكون هي الخيار الأرجح، لأنها تملك كل الخيارت المطلوبة للمواجهة، وحزب الله قادر على أخذ قرار سياسي من الحكومة اللبنانية، بل انتزاعه وبدء هذه الحرب.

الدول الأخرى التي لديها نفوذ ومصالح في هذه المنطقة، تتابع كل هذه الأحداث بقلق بالغ، وبخاصة روسيا، لكن روسيا لن تتدخل إلا دبلوماسيًا ولن تتعدى ذلك، كما أن لها دعوات متكررة لمجلس الأمن لعقد جلسة طارئة، كما أنها بدأت وبصورة فعلية أي روسيا، ياتصالات سرية جانبية بين الطرفين، إسرائيل من جهة، وإيران ولبنان من جهة أخرى.

في النهاية نود أن نقول، أن الحرب قد قُرعب طُبولها، ومن سيكتوي نارها هم أهل هذه المنطقة، المغلوبين على أمرهم، فهم في كلتا الحالتين سلمًا وحربًا، من يدفعون الثمن غاليًا، لا يأبه بأمرهم الآخرون، وهذا ما لم يعيه ساسة وقادة وعقلاء وحكماء زمانهم بعد حتى الآن.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات