قال تعالى: «و لما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا» صدق الله العظيم،بعد خمس سنوات من الألم، نام السوريون مساء أمس على خبر أعطاهم قسطًا من الأمل، و هو انسحاب المحتل الروسي من بلادنا «و لو لم يكن بشكل كلي»، و كنت قد قلت في مقالة سابقة منذ أشهر: «إن بوتين تاجر بندقية و سلاح، قبل كل شيء، والسياسة الروسية تعمل بطريقة العاهرات والمومسات الروسيات، وما تمنُّع بوتين هذا، إلا لينظر من يعطيه الثمن الأكبر من بين العروض المقدمة»، وقلت: «إن بوتين بالون انتفخ أكثر من حجمه، و آن أوان انفجاره الذاتي»، «و لكني لم أتوقع أن يكون بهذه السرعة»، و ظننت أن الأمر سيأخذ شهورًا إضافية.

المهم، أن ما حصل هو ـ إن شاء الله ـ بداية النهاية والخلاص لشعبنا، وبداية نهاية بوتين السياسية، وتآكل شخصيته داخليًا وخارجيًا، وبداية انكماش التمدد الروسي، الذي وصل لذروته، في ظل غياب دور أمريكي فاعل في العالم، خلال السبع سنين العجاف من حكم باراك حسين أوباما «شيعي الهوى»، و لعل بوتين أدرك متأخرًا، أو أعلمه بذلك مستشاروه، أن دخوله لسوريا فخ نصبه له الأمريكان؛ لاستنزاف روسيا، وتمزيقها من الداخل، وخاصة أن حساب الحقل لم يكن كحساب البيدر، فبوتين المعروف بغطرسته و أحلامه لاسترجاع «القسطنطينية الأرثوذكسية» من تركيا، ظن أنه قادم للنزهة و السباحة في المياه الدافئة، وعندما رأى نفسه يغرق في هذه المياه قرر الانسحاب، ليقف على الجليد الروسي الأكثر صلابة، والذي اعتاد التزلج على منعطفاته، ولو بربع نصر ونصف هيبة، فقد قرر العفريت الروسي العودة لقمقمه، عندما رأى المارد الإسلامي على حقيقته في سوريا، ﻻ كما صوروه له «فهو سمع عن وحول أفغانستان زمن الاتحاد السوفييتي، و لكنه لم يخضها»، فبشار ـ الميت سريريًا هو ونظامه ـ ﻻ يحتاج دعمًا عسكريًا فقط ،و إنما من يحل محله في كل شيء، فهو يحتاج العتاد والرجال والنفط والمال، وليس لديه ما يقدمه للروس ، إلا بعض أرامل الشبيحة المتشحات بالسواد، ولعل كلفة إعادة نظام بشار للحياة، تفوق كلفة إعادة إحياء الاتحاد السوفييتي، الذي صار رميما ومن مستودعات التاريخ.

أضف إلى ذلك تعقد المشهد في سوريا، والإنذار بحرب عالمية ثالثة، ستقف فيها روسيا وحيدة أمام العالم، «وخاصة بعد خسارتها تركيا، شريكتها الاقتصادية، ومن معها من دول اسلامية، كالسعودية»، وإعلان تركيا في الأيام الماضية عن تشغيل منظومة «كورال»، تركية الصنع، والتي تستطيع إيقاف عمل صواريخ «اس400» والطائرات الروسية، والتشويش على عملها؛ حتى لا تصيب أهدافها «وهذا ما حصل في الشمال»، أضف إلى ذلك: الوضع الداخلي الروسي المنهار اقتصاديا، والمقلقل اجتماعيًا، ففي روسيا ثلاثون مليون روسي سني، يشكلون ربع سكان روسيا، سيتحرك لديهم شعور الانفصال عن الحكومة المركزية؛ عندما يرون رئيسهم يقتل إخوتهم في الدين في الشام، التي تشكل قيمة معنوية وحضارية وتاريخية لدى عموم المسلمين، ولعل أسباب تفكك اتحادات، كالاتحاد الروسي، والأمريكي، والأوروبي، قد حانت، فهذه الاتحادات هشة، وستنهار عند أول هزة اقتصادية أو سياسية، ولعل هذا من مكر الله بمن يمكرون لتقسيم سوريا.

وليس المهم أسباب الانسحاب؛ لأن الكثير من المقايضات، وتبادل النفوذ، والادوار تتم في الخفاء، وإنما المهم نتائجه على ثورتنا، فيجب على تركيا ملء الفراغ بتحرك سريع، وتزويد المقاتلين بالسلاح النوعي؛ لاستغلال الصدمة والفراغ الحاصلة لدى النظام، وكم قلت لبعض الحمقى المحسوبين على النظام منذ بداية الثورة إن روسيا وإيران تستخدمكم ولا تخدمكم، و إن حاول النظام العمل بنفس هذه الطريقة، فحاول الذيل استخدام الكلب، وهذا ما يعيه الروس، الذين ﻻ يثقون ببشار ونظامه، والذي سيتخلى عن أسياده لصالح أسياد جدد، كما كان حال أبيه و جده، وسيفتعل الانفجارات في قواعد عسكرية روسية ليتخلص من سطوتهم عليه عند انتهاء خدماتهم، كما قتل في لبنان الجنرال الروسي الذي أبلغه بوجوب التنحي، فعقلية المافيا والعصابة ورثها و أبوه عن الاتحاد السوفيتي المندثر، ولكنهما فاقوه خبثًا و غدرًا.

وفي النهاية أقول: «إن ساعة النصر قد اقتربت»، «و إن كان في المشوار بقية»، فعندما قامت ثورتنا «و التي هي ثورة ربانية بكل المقاييس»، أرادها البعض ثورة شعبية تنادي بالحرية، وأرادها أعداء الله، حربًا لقتل الإسلام في مهده وسموه إرهابًا، كي لا يصل ديارهم نور الله والتوحيد، وأراد الله ان تكون هذه الثورة شرارة صحوة أمة الإسلام من رقادها، من أرض الفسطاط، والله غالب على أمره، وهذا مالم يعه البعض حتى الآن، فكما بشرنا رسولنا الحبيب محمد ـ صلى الله عليه و سلم ـ بالحكم الراشد بعد الحكم الجبري الكفري الذي بدأ بعد سقوط الخلافة العثمانية، بشرنا أيضا بوصول الإسلام إلى كل بيت في هذه الأرض، وأنه لن يبقى بيت من مشرق الأرض إلى مغربها، إلا وسيدخله الإسلام بعز عزيز أو ذل ذليل، كما قال ـ صلى الله عليه و سلم ـ وفي غزوة الأحزاب عندما تكالبت القبائل على المسلمين مع غدر اليهود والمنافقين في المدينة المنورة، كان صلى الله عليه و سلم ـ يبشرهم بفتح الشام ومصر واليمن وفارس، واليوم نقول ـ ثقة في كلام الصادق الأمين ـ الله أكبر! فتح البيت الأبيض، الله أكبر! فتح الكرملين، فالنصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، والحمد لله رب العالمين.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد