تبرز في الآونة الأخيرة تهديدات جدية وأكثر حزما ضد إيران العدو اللدود للدول السنية التي ترى نفسها صاحبة الحق في تحديد مجريات الأمور في المنطقة العربية، بحكم التاريخ والانتماء العقدي السني الغالب في المنطقة، وبسبب التقسيم السياسي في العصر الحديث الذي حدد مجال النفوذ لكل دولة ولكل طائفة، خصوصا بعد جلاء الاستعمار وانفراط عقده؛ ما سمح بتغلغل مبدأ القومية العربية لفترة من الوقت المتأثرة بالمد الاشتراكي ودعم الاتحاد السوفيتي الذي كان مناوئا في فترة الحرب الباردة للمشروعات الغربية والأمريكية بالخصوص، وعلى رأسها إسرائيل الكيان الوافد الذي فرض شرعيته بناء على ادعاء أن له جذورا في المنطقة تعود لآلاف السنين يحق له بناء عليها استعادة أمجاده ودولته، وقد كانت الحرب بين القطبين العسكرية منها والأيدلوجية تؤجل أو تغطي على التباينات والخلافات العقدية والدينية المتجذرة في المنطقة بين أبناء (القومية العربية الواحدة)، هذا إذا أضفنا لها المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تراكمت بفعل سوء التدبير وتدخلات المؤسسات الدولية والاستبداد السياسي والفساد الاقتصادي.

عرى انهيار المشروع الاشتراكي أوهام القوميين أبناء العروبة، كما تراجع الصراع بفعل انهزام الأيدولوجية الاشتراكية ما حطم آمال بناء جنة البروليتاريا الموعودة وعلى إثرها كل المؤسسات التي تنادي بإنشاء تكتلات تحمي أبناء المحرومين ضحايا المد الغربي الرأسمالي، ومن بين هذه المؤسسات الوطن العربي والقومية العربية التي كان يراد لها أن تمحو وأن تتعالى على كل المكونات الأخرى، وأن تؤجل مطالبها وأسئلتها المشروعة كدولة الأكراد ونصيب الشيعة من الحكم ومشاركة المسيحيين والمضطهدين من المذاهب الأخرى الصغيرة، وهذه المطالب التي لها جذور دينية  وعرقية لا تختلف في مآلها عما آلت إليه مطالب الآخرين ممن يطالبون بالدولة العلمانية الجامعة للأطياف المختلفة، من قمع وتشريد باسم المصلحة العليا للوطن الجزئي أي القطر (الاستقرار والأمن العام) والوطن الكلي أي الوطن العربي (الوحدة والتماسك).

في ظل هذه الخلافات الطائفية والعرقية العميقة التي لم تتجاوز في ظل الحكم الاستبدادي العسكري النقاش في المجالس الخاصة أو البيانات السرية أو في أعم الأحوال الصدور لم تلبث أن انفجرت بعد الغزو الأمريكي للعراق، وما أشعله من فتيل حرب طائفية على الغنيمة السياسية، والتي عرت أبناء البلد الواحد والذين بدوا كمن كان يسير وفق القواعد القديمة والقانون بحمض الإكراه والعصا، وأن بعدهم عن المدنية بعد جلاء المستبد أبعد ما يكون أبناء العصر الحجري عنها، فقد سالت دماء كثيرة في القتال بين السنة والشيعة في سبيل السيادة جعلت التاريخ الممتد لألف سنة بينهم يبدو مجرد لقطة واحدة من فيلم طويل ستمتد أجزاءه في وقتنا الحالي أكثر مما قدر الأقدمون، ولأن كل طرف له قاعدة خلفية فكرية ومادية فلم تتوقف الإمدادات من ولاية الفقيه لأتباعه المضطهدين، كما لم تتوقف المظلة السنية عن تقديم العون لمن تراهم المجاهدين الأبرار ضد أتباع الفرس ممن يدنسون أرض العراق، وبدل العمل على سد الفجوة وحقن الماء عبر تحقيق عدالة سياسية وتداول سلمي على السلطة تفرضه كل من القوتين في إيران والدول العربية الأخرى تمادى كل منهما في الحشد والتجييش لهزيمة المعسكر المعادي، وقد تعمقت المسألة ووصلت أوجها في الأزمة السورية.

الدعاة والشيوخ ورؤوس المؤسسات الإعلامية الدينية كانوا مجرد أدوات في حرب كبرى لفرض هيمنة الدول، لكن تأثيرهم كان عميقا؛ فاللعبة الدينية واللعب برموز الدين وتأويل النصوص لأغراض خبيثة وتجييش الناس ودفعهم للتطرف في سبيل تحقيق دوام حكم الأسر وتمكين السلطة والنفوذ في بلدان أخرى هي لعبة لم يقدرها لاعبوها حق قدرها ولازالوا لا يقدرونها، فالدين حمامة سلام حين يتم ترويضه والتوسيع عليه ومارد كاسح يبتلع الذين يتلاعبون به أولا قبل من يراد ضربه كلما تم حجره ودفعه إلى المناطق الضيقة وفرضه بالقوة أو حمله محمل التعصب، حتى أنه يستحيل التراجع والتصحيح وهذا ما نشهده في انتشار وتقوي الجماعات الإرهابية وتزايد أعداد المتطوعين المنضمين إليها وجموع المتعاطفين ممن ينشرون أفكارها وممن يساهمون بتبرعاتهم لها، هذا عدا ما تزوده به الدول المعادية من وسائل لخلق الفوضى والخراب في صراعها مع الدول الأخرى.

هذه اللعبة أي إنشاء المليشيات صناعة أجنبية وإيرانية بامتياز، لكنها أصبحت مع الوقت صناعة أكثر خطورة بيد العرب الآخرين ذلك أن إيران تتحكم في وحوشها وتلجمهم متى شاءت بينما يعجز الآخرون في فرض سيطرتهم على جماعاتهم، لأنهم لا يستطيعون تبني أعمالها أو الدفاع عنها أو تقديم الدعم علانية إليها لأن حجتهم ضد إيران هي أن دولهم سلمية وأن على إيران أن تسير على نفس النهج، ولأن الأخيرة ترفض ذلك أو على الأقل تدعي أن المليشيات التي تدعمها وطنية وتعمل وفق قانون دولها وأن ما علاقتهما تتلخص في محور المقاومة ضد الصهيوني، فإن العرب لا يجدون مفرا من دعم جماعات تكون ندا قويا لجماعات إيران دون تبنيها مباشرة ما يؤدي لارتداد نيرانها عليهم.

ما يعني أن لعبة الشحن الديني هو أحد وجوه الصراع وأدواته وأن الأغلبية المتزمتة حطب له، فإيران دولة تأسست على ما تراه أسسا ثورية دينية لا يجب أن تقتصر عليها فقط وإنما يجب أن تمتد نحو مناطق أخرى لخلق إمبراطورية جديدة قوامها دول تابعة تهيمن عليها مليشيات ملحة كما هو الحال في لبنان، وهذا الهدف السياسي ليس خافيا على الآخرين، خصوصا جيرانها، لكن الذكاء يتجلى في طريقة تدبير المسألة من طرف الإيرانيين والهامش الواسع من الحيلة الذي يملكونه ويفتقده العرب، فإيران تستهدف قلوب الناس في المنطقة عبر وضع نفسها كالحاجز الوحيد أمام إسرائيل، وسواء كانت صادقة أم لا (خصوصا بعد ما حدث في سوريا) فإن كفاح حزب الله ذراعها في لبنان قد حقق بعضا من أهدافها كما أن دعمها لحماس زكى طرحها في كونها تريد فعلا تخليص المنطقة من إسرائيل، وفي مستوى آخر تعمل على خلق كيانات تتغلغل في جسم الدول لزرع أفكارها ومشاريعها مدنية كانت أم سياسية، كما تتبنى الكثير من المظالم في الدول العربية وتدافع عن أصحابها خصوصا الشيعة الذين ترى أنهم رعايا لها ومصدر حيوي لابد من جره لخدمة ولاية الفقيه، بالرغم من أن التاريخ يثبت أن هؤلاء ينتمون لبلدانهم الأصلية، ولا يعرفون غيرها، لكن الأنظمة وفي صراعها لا تهتم بالتفاصيل، فتتزايد حدة التوتر عبر التشكيك في وطنية هؤلاء ودفعهم لأحضان إيران عبر القمع وحرمانهم من مسؤوليات ومناصب كبرى في الدولة، وبالتالي المساهمة في خلق حاضن طبيعي لأفكار إيران وطرحها.

في مقابل الاستراتيجية الإيرانية نجد العرب لا يفهمون إلا ما تقدمه أمريكا من نصائح، بالرغم من أنها هي التي أدت لخلق البلاء في المنطقة عبر تدخلاتها الحربية وسياساتها السخيفة، فمراكز البحوث الأمريكية الممولة من طرف اللوبيات اليهودية وشركات الأسلحة والصحف التي تهيمن عليها فئات ذات مصالح خاصة، غالبا ما تفتي بضرورة التصدي المباشر للدولة المارقة التي تهدد السلم العالمي، وبالتالي فإن أصدقاء أمريكا وهم العرب وإسرائيل لابد أن يشكلوا جبهة موحدة للتصدي لهذا الخطر وما بيع الأسلحة بالأطنان لهذه الدول إلا تجهيز ضروري لها في أفق الحرب الشاملة، ولأن إسرائيل تقاتل على جبهات عدة دبلوماسيا وأمنيا للحفاظ على وجودها فإن هذا التحالف ضروري ليس لدرء الخطر الإيراني فحسب، وإنما لتعزيز شرعيتها وتحطيم أسطورة الإجماع العربي وقدسية القضية بالنسبة للعرب، وأن الدول الكبرى خصوصا ذات الثقل الديني الكبير تؤيد الانفتاح والحوار، بينما الدول والمنظمات الإرهابية المارقة التي تفكر خارج الإجماع لابد لها أن تدفع الثمن.

إن النصيحة الأمريكية تخدم أمريكا قبل أن تخدم العرب، خصوصا أنها تستفيد ماليا من خلال الاستثمارات التي تستجلبها من المنطقة كما تستفيد من تغلغل مؤسساتها كمراكز البحث والإعلام والكتاب في هذه الدول لإفقادها حتى حرية التفكير السليم والمنطقي، لذلك فهي تصدق أن الولايات المتحدة ستدافع عنها وقت الشدة كما، كسكوتها أمام التجاوزات في دعم الجماعات المسلحة أو القمع الحقوقي والفساد الاقتصادي أو في الحرب الشاملة مع إيران العدو الأخطر كما يتصورونه، بالرغم من أن تاريخ أقوى قوة في العالم يثبت أنها لا تعترف بشيء اسمه الأصدقاء، ولا تتردد في تقديمهم قربانا لمصالحها حين يأتي الوقت، لذا فسكوتها عن التجاوزات أو تأييدها للحروب التي يشنها حلفاؤها إنما هو قرار مدروس لن تسمح بتأثيره في أمنها أو أمن إسرائيل، وبالتالي فالفرق بين العرب وإيران هو أنها تحاول خلق قوة ذاتية عبر الاعتماد على الذات في الابتكار والتصنيع العسكري، بالرغم من قسوة المقاطعة الأجنبية والعقوبات، بينما يستمد العرب قوتهم من الآخرين خصوصا أمريكا، وهذا هو عين الفشل والهزيمة، لأن أمريكا حين يحين الوقت يمكن أن تنفتح على إيران وتبارك هيمنتها على المنطقة إذا أثبتت أنها قادرة على ضبط الأمور، وحفظ مصالحها الخاصة ومصالح الآخرين، وأن أمريكا كما أبرمت الاتفاق النووي يمكن أن تبرم اتفاقا آخر، وفي ظل إدارة أخرى لأن الإدارات الأمريكية تتغير، وكل واحدة حسب المصالح، فإما أن تدعي الواحدة العقلانية والسلام، أو أن تحمل الأخرى السيف ناقضة ما أبرمته الأخرى، وبالتالي كيف يمكن أن تراهن على دولة مثل هذه؟

أما في المواجهة الكبرى، فالأكيد أنه حتى لو تدخلت أمريكا فإنها ستكون بعيدة عن أي ضرر مباشر على أراضيها ومصالحها، وحتى منشأتها في المنطقة لا تشكل إلا جزء يسيرا من منشآتها عبر العالم، ولها القدرة عن الدفاع عنها، أما الآخرون فماذا يملكون لرد وابل الصواريخ الإيرانية وحلفائها؟ وهل لهم القدرة على الصمود وتأمين أمنهم الغذائي خصوصا لو ضربت الموانئ وتعطلت حركة المطارات؟ أو تجنب أزمة عطش لو استهدفت مراكز تحلية المياه خصوصا أن الخليج صحراء ممتدة، بالرغم من أن أصحابها تناسوا بفعل الرخاء محيطهم وجغرافيتهم وخصوصيتها؟ وحتى إيران أيمكن لها التعافي من الأضرار المادية والتعافي من القصف بترسانة متطورة ومن حصار اقتصادي خانق؟ وهل يمكن لصورتها أن تبقى ناصعة كما تريد في العالم الإسلامي لو قامت بالإضرار بالأماكن المقدسة؟ ناهيك عن  أعداد الضحايا وموجات اللجوء وشلل منطقة نفطية هي عماد الاستقرار الطاقي في العالم؟

هي حرب خاسرة بشريا وأخلاقيا وماديا ولن يفرح بها أو يطبل لها إلا من يريد لهذه المنطقة الدمار، ولشعوبها السعاية في أزقة المدن الغربية، وحتى الإسرائيلية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد