مقدمة:

في ذكرى حرب أكتوبر المجيدة إذ عرفنا طعم انتصار (ولو كان جزئيًّا) بعد غيابٍ طويلٍ عنا، وقد كان لا يفارقنا نحن أمة الانتصارات والفتوحات أمة الإسلام والعروبة كان لا بد لنا ابتداءً من استرجاع ذكرى حروب أهم وفتوحات أعظم كانت سببًا في أكبر نعمة علينا وهي وصول الإسلام إلي ديارنا وتنعمنا نحن وأجدادنا بنعمة التوحيد الحق لنستفيد الدروس والعبر ولإنعاش ذاكرة صار جُل اهتمام أصحابها أو بالأحرى من يسوسهم الاحتفال بانتصار قومي وطني .

ولا أقصد هنا سرد هذه الفتوحات فالمقام لا يتسع بل المقصود اقتباس نور من فوائدها تضيء لنا صراطاً نهتدي به في غياهب ظلمات لا يكاد أحدنا فيها أن يبصر يديه، وإنعاش الذاكرة ولا ننسى هنا عبارةً تصدق على أكثرنا وهي:

 «ذاكرة الأعوام ثلاثة أيام».

كذلك لا بد لنا ونحن في هذه الذكرى العطرة من عبر من نصر أكتوبر نقتبسها من أحداثها وتذكر كيف تم استغلاله أسوأ استغلال من قِبل من لا يرقبون في مؤمنٍ إلًّا ولا ذمة .

أمثلة من حروب الإسلام:

كانت حروب الإسلام فيما مضى غايتها وجُل مقصدها نشر دين الله والزود عن بيضته جهاد دفع وطلب لا كما يصوره حسالة ورمم عصر الظلمات هذا من أن غاية الجهاد مقتصرة علي دفع الأذى والعدوان فلولا جهاد الطلب لظلت جموع الناس خارج شبه الجزيرة العربية في جهل وكفر وشرك وظلم ولما نلنا نحن ولا أجدادنا شرف ونعمة الإسلام .

فهذا عمرو بن العاص الصحابي الجليل بعد أن أتم الفتح العظيم بلاد مصر الطيبة، أتى بأقباط مصر من النصارى الهاربين من بطش الروم في الصحارى والواحات وأمنهم وأعاد لهم كنائسهم، فلولا جهاد الطلب ما نعم هؤلاء بالأمن ولما أسلم أجدادنا لِما رأوا بأعينهم من عدل الإسلام ومحبته وأخلاق العظيمة.

وهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه لمَّا عرف بمنع الزكاة قاد حملة عسكرية شاملة في شبه الجزيرة العربية والتي عُرفت بحروب الرِّدة لمنعهم ركنًا من أركان الإسلام فسُموا بالمرتدين لذلك فلا ميوعة في ركن من أركان دين الله رغم صلاتهم وصِيامهم وعِبادتهم فلم تُغني عنهم شئً وهو رضى الله عنه، القائل عندما سئل عن ذلك: «والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها».

وهذا رسول الله خير خلق الله، نعم القدوة الهادي بإذن ربه إلى صراط مستقيم نجده حريصًا جدًّا في حروبه وغزواته في إرشاد صحابته إلي نعم الأخلاق في الحروب فهو القائل : «انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلًا صغيرًا، ولا امرأةً، ولا تغلوا وضموا غنائمكم وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين» .

هكذا كانت حروب الإسلام الغرض فيها دفع العدوان وصيانة دين الله من كل مُتلاعب ومُنتقص ومُبدل؛ كذلك نُشر دين الله بعدله وسماحته وأخلاقه السامية لينعم الناس في ظل حكمه بالعدل والإخاء والرحمة والسلامة فيعمرون أرض الله كما أراد، الكل فيه سواسية «لا فضلَ لعربيٍّ على أعجميٍّ، ولا لأعجميٍّ على عربيٍّ، ولا لأبيضَ على أسود، ولا لأسود على أبيضَ إلَّا بالتَّقوَى ، النَّاسُ من آدمُ، وآدمُ من ترابٍ».

أما اليوم فالحروب تشن لأجل التراب ولصيانة حدود رسمها بشر، لأجلها تُرهق الدماء وتُزهق الأرواح، كل شيء فيها مباح فالأخلاق فيها صارت قديمة الطراز .

حرب أكتوبر المجيدة:

وفي تلك الأيام دعونا نسترجع ذكرى حرب أكتوبر المجيدة، تلك الحرب التي كان مقصدها ومرادها تحرير الأرض العربية والإسلامية كاملةً من عدوان العدو الصهيوني الغاشم .

قامت الحرب بتحالف كلٍّ من مصر وسوريا باتفاقٍ بينهما علي التقدم من ناحيتين على أن يقف التقدم بعد استرداد كلٍّ منهما أرضه غاضين الطرف عن الأرض المقدسة ويمكننا التغاضي عن ذلك كون قدراتهما لا تسمح بذلك لا بدافع القومية المصرية لا سمح الله , فهل تحقق ذلك؟ بل هل كان التخطيط لذلك منطقيًّا؟ كون أن مصر ليست لديها مظلة جوية من منصات الدفاع الجوي قادرة على حماية قواتها الأرضية، كون أن منظومة الدفاع الجوي ثابتة ولا تقدر علي تغطية كامل سيناء.

يجاوب عن تلك الأسئلة رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية الفريق :«سعد الدين الشاذلي» في مذكراته فذكر أنه رغم اعتراض السادات في البداية إلا أنه عَدَلَ عن رأيه إلي ما اقترحه بعبور القناة وفق المساحة التي تغطيها منظومة الدفاع الجوية ثم تقف بعد ذلك وهو ما كان، ثم كان إصرار السادات على سحب بعض الجنود ودعم السوريين من الجبهة الأخرى ورغم اعتراض الفريق الشاذلي فإنه أصر علي ذلك فكانت الثغرة الشهيرة التي استغلاها العدو الصهيوني فاقتحم مدينة السويس الباسلة ليعيث بها فسادًا ولولا لطف الله ثم المقاومة الشعبية التي وقفت بالمرصاد وبما تَوَفَرَ لديها من أسلحة خفيفة لكان ما لا يُحمد عُقباه .

كل ذلك والسوريون يعتقدون أن مصر لن تتوقف دون استكمال كامل حُدودَيهِمَا (من ناحية مصر: سيناء ورفح كاملة وخليج السويس بضفتيه وخليج العقبة حتي أم الرشراش أو ما يعرف اليوم بإيلات، ومن ناحية سوريا : هضبة الجولان حتي نهر الأردن)، في حين أن القيادة السياسية ممثلةً في السادات كانت مكيافيلية وانتهازية إلي أبعد حدٍّ فاستغلت الإخوة السوريين كطُعم ومُشَتت للصهاينة لا أكثر.

وجب التنويه أن السادات ذو العقلية الرأسمالية الانتهازية والوصولية كان قد فض الشراكة مع السوفيت وطرد مستشاريهم مُتذرعًا بتأخر شحنات الأسلحة وبخوفه من تسرب خطة الحرب في حين أن أسلحة الجيش كلها من السوفيت الطرف المعادي بالطبع للولايات المتحدة الرأسمالية البروتستنتية والداعمة للصهاينة ومن مصلحة السوفيت انتصار المصريين فانتصارهم يروج لمدى فاعلية السلاح السوفيتي على حساب السلاح الأمريكي لدي الصهاينة؛ فالحرب في نظر السوفيت حرب وكالة أمَّا غرض السادات الأصلية هي التزلف ونيل رضا حليف عدوه في الوقت غير المناسب لما رآه من تفوق القطب الأمريكي على نظيره السوفيتي.

لما كان هذا هو الحال كان على السادات طبعًا، الذي انكشف ظهره، الهرع طلبًا للسلام مع الصهاينة الذين يربطهم مع الأمريكان جسر جوي من الدعم العسكري واللوجيستي الذي لا ينقطع مقبِّلًا الأيدي والأرجل وكل ما يمكن تقبليه حتي وصل الأمر إلي ذهابه إليهم في عقر دارهم المنهوبة فكانت اتفاقية السلام، فاستعادت مصر سيناء في حين ظلت هضبة الجولان وجزء من رفح محتلتين إلي جانب أم الرشراش (إيلات) فقد تنازلت عنها لإسرائيل كمنفذ لها على خليج العقبة

أما الإخوة السوريين فقد ضربوا كفًا بكف وندموا من ناحية على عدم جاهزيتهم ومن ناحية أخرى علي غدر شريكهم في الحرب، وأما العرب فأحسوا بالخيانة أيضًا معتبرين الاتفاقية بداية تطبيع وهم الذين وقفوا إلي جانب مصر داعمين بالسلاح وبقطع البترول عن الأمريكان فكان ردهم بطرد مصر من جامعة الدول العربية إلي حين.

وبعد الحرب استغل السادات الحالة الشعبية الفرحة ليروج لنفسه على أنه منقذ مصر من الضياع وصاحب العبور وخطة الحرب ونجح في ذلك كثيرًا فبعد أن كان العضو الأقل كفاءةً في حركة الضباط الأحرار ثم الرئيس صاحب الشعبية شِبه المنعدمة إثر حالة – الـ«لا حرب لا سلام» – إلي قائد العبور ولولا كتابات الضباط الأحرار ومذكرات الفريق الشاذلي التي كشفت المستور لظل كذلك حتَّي في عقول وقلوب المثقفين من أبناء مصر والعالم العربي .

أعقب ذلك استغلال تلك الصورة المصنوعة والبروباجاندا في تمرير سياسته الاقتصادية الرأسمالية والانفتاح ومشكلًا أول (أوليغارشية) في تاريخ الجمهورية التليدة من تحالف البرجوازية مع السلطة، هذا وقد كان ينوي رفع الدعم نهائيًّا وهو ما واجهه الاشتراكيون بكل ضراوة مشعلين «انتفاضة الخبز» عام 1977 وهو الذي أطلق عليها «ثورة الحرامية» فواجهها بالقمع ثم بترك مجال وفسحة من الحرية للإسلاميين ليضرب بهم الاشتراكيين ويحقق التوازن وهو ما نجح نوعًا ما لكنه لم يدرك أنه يلعب بالنار وقد كان ما كان .

هكذا كانت حروب الإسلام ومقاصدها وهذه هي حروب هذه الأيام ومقاصدها وأهدافها وشتان بين الاثنين ورغم عظم ونبالة مقصد حرب العاشر من رمضان في دفع العدوان وتطهير الأرض من رجس الصهاينة إلا أن هدفها لا يخلو من خيانة للحلفاء العرب والسوريين ومن قبلهم الروس السوفيت، هكذا هي حروب اليوم مادية مكيافيلية لا أخلاقية، كذلك ظهرت الوصولية واستغلال المجد المُصطَنع على أكتاف الغير لتمرير سياسات أقل ما يقال عنها دنيئة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد