اغرورقت عيناه. رغم ضبطه لمشاعره وكراهيته أن يبكي أمام هؤلاء الرجال اغرورقت عيناه».
يستهل نجيب محفوظ روايته «الطريق» بهذه الكلمات المؤثرة، والتي يبرع نجيب في انتقائها جيدا، نجيب محفوظ روائي عظيم يتناول الشخصية الإنسانية وجوانبها وتفاصيلها ببراعة، كما أنه لا يغفل التفاصيل الخارجية فلا يجعلك تفوت تفصيلة واحدة ومع ذلك لا يمكن أن يدركك الملل.

أحداث الرواية

هذه الرواية التي صدرت عام 1964 تتحدث عن صابر رجل في الثلاثين من عمره، تتوفى أمه وتخبره قبل وفاتها بأن أباه حي يرزق ويبدأ الطريق من هنا، ربما تشعر في بدء الأمر أن هذه الرواية مجرد «فيلم عربى»، ذلك بالفعل سيحدث عندما تقدم على قراءة الرواية من منظور التسلية، ولكن هذه الرواية لا يجب قراءتها على هذا النحو، فهى تحمل أبعادا فكرية وفلسفية عميقة لا يمكن إدراكها بالقراءة السطحية.

اختيار الشخصيات

براعة نجيب تظهر في اختياره للشخصيات وأسمائها بدءًا من بسيمة، والدة صابر الراقصة التي حاولت بقدر الإمكان أن تحيي ابنها حياة مترفة بعيدة عن حياة القوادة والبلطجة، ولكنها تدخل السجن وتصادر الحكومة جميع أموالها ،وتصارح بسيمة ابنها بعد خروجها من السجن بأن والده على قيد الحياة.
ثانيا: صابر والذي لو صبر قليلا لوجد عملا كما عرضت عليه «إلهام» – والتي كانت ملهمة الخير والنقاء والجمال – ولكنه رفض ولذلك لم يصل إلى والده، بينما كريمة هي التي دفعته إلى طريق الجريمة فقد كانت كريمة على حق في الشر والشهوة.

ثالثا: إلهام وكريمة كانتا تمثلان طريق الخير والشر في الرواية، فقد كانت إلهام صورة للحب الطاهر النقي الخالي من الشهوات، كما أنها كما قال كانت صورة من صور أبيه بل وأرى أنها كان الطريق الصالح إلى والده ولكنه كان يميل أيضا لكريمة لأنها صورة من أمه.
إلهام كانت تُوقظ ضميره وتبصر عينيه على الحقائق، حيث كان يرى أن طريقها لذلك كان شاقا ومعذبا له، أما في نظره فنار كريمة كانت رحمة له في منتصف الليل.

نقطة التحول

«الحرية والكرامة والسلام» كلمات رددها نجيب محفوظ على لسان بطل الرواية «صابر» مظهرا علته في البحث عن والده سيد سيد الرحيمي صاحب السلطة والمال الذي ماهو إلا حسنة من الحسنات.
يتحدث صابر مع نفسه ويقول: «والآن أين هى الحقيقة وأين الحلم؟ أمك التي ما تزال نبرتها تتردد في أذنك قد ماتت، وأبوك الميت ييعث في الحياة. وأنت المفلس المطارد بماض ملوث بالدعارة والجريمة تتطلع بمعجزة إلى الكرامة والحرية والسلام».
هذا التساؤل كان نقطة التحول في حياته ورحيله من الاسكندرية إلى القاهرة وانطلاقه في «الطريق» بحثا عن والده والذى يرمز به نجيب إلى الله.

الرمزية في كتابات نجيب محفوظ

وتتجلى عظمة نجيب محفوظ في استخدامه للرمزية التي هي ملجأه الوحيد للتعبير عن ما يدور في باله و ما حوله من أحداث، فبعد فشل ثورة 1952 لجأ نجيب في كتاباته إلى البحث عن الله واللجوء إليه فهو طريق النجاة، وقد بحث عنه بطريقة شبه مباشرة في روايته أولاد حارتنا والتي أثارت ضجة وقت صدورها، فاتجه نجيب بعدها إلى الرمزية الغامضة كما تظهر في الطريق فلم يُشِر صراحة إلى أن سيد سيد الرحيمي هو الله.

بعض الأفكار التي تناولتها الرواية

1- ادعاء التدين

أراد نجيب أن يبرز مشكلة ادعاء التدين فهى مشكلة كارثية، وأظهرها في صورة صابر الذي كان ينشد الوصول إلى أبيه (الله) سعيا وراء الحرية والمال والسلام والكرامة، ولم يكن سعيه هدفا في حد ذاته بل كان مجرد وسيلة لإنقاذه من حياة الدعارة والجريمة وإبعاده عنها وليس حبا فيه ولذلك ضل الطريق واتجه إلى طريق الجريمة.
فمن يدّعون التدين يبتعدون كل البعد عن طريق البحث عن الله وجوهره ويتجهون إلى طرق أخرى بعيدة كل البعد عن الله، ولا يبذلون العمل والجهد سعيا وراء الله بل ينتظرون المعجزة منه.

2- ضرورة الاعتماد على النفس

كان نجيب يتطلع إلى أن يتفهم الإنسان ضرورة اعتماده على نفسه وألا ينتظر المعجزة من أحد أو الاتكال على الله فقط  بل يخلق هو المعجزة بنفسه ولنفسه.
فصابر ارتكب جريمتي قتل ورغم ذلك كان ينتظر أبيه حتى يأتى ويخرجه من ذلك المأزق، ولكن هيهات فهنا يريد نجيب أن يقول أن الإنسان يجب أن يكون مسؤولا عن أفعاله وأن يقر بأنه مذنب ولا ينتظر من يخرجه من ورطته وفي النهاية نجد البطل يستسلم لأمره  ويقول محدثا محاميه: «يبدو أنه لا جدوى من الاعتماد على الغير» فيبتسم المحامي في تسامح ويقول: بل هناك جدوى فيما هو معقول.

ملخص

وملخص الرواية يكمن في قول صابر: «الحكاية كلها كالحلم جئت من الاسكندرية للبحث عن أبى فوقعت أحداث غريبة نسيت فيها مهمتي الأصلية حتى وجدت نفسي أخيرا في السجن».

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد