لا شك أن الهوية تعد من بين أهم الأعمدة الاجتماعية التي يتميز بها الإنسان على مر التاريخ، وحينما نتحدث عن مصطلح الهوية نعطي الانطباع منذ الوهلة الأولى، أو يتبادر إلى ذهن الجميع أننا بصدد معالجة ظاهرة اجتماعية قد ترتبط بأشكال التمييز بين عرق شمالي أو جنوبي أو من ناحية أخرى تقاطب مصطلحي البيض والسود.

وهذا ما تقع فيه أغلب التيارات الاجتماعية التي تدافع عن هويتها العرقية والأصولية، إذ يصعب الإمساك بها وسط الصخب المجتمعي.

ومن منطلق آخر، بحكم الحركات الاجتماعية والثقافية وما تفرزه خنادق الصراع الطبقي التي تحرم وتحلل بين هوية وأخرى، وتطالب بتأصيل هوية معينة، أو إسقاط غيرها من جانب آخر، وهذا ما يعيش العالم على إيقاعه منذ الألفية الأولى والثانية، ولا بأس أن نستأنس بالصراعات الباردة والساخنة التي دأب العالم على خوضها في القرون المنصرمة.

ولا شك أن التوسعات الاستعمارية أرادت بشكل أو بآخر نقل الهوية وفرضها واستيطانها في الشعوب المستعمرة، ليكون في آخر المطاف التطاحن الهوياتي تشتيتًا لمعنى سمو الإنسان، وعلاوة على ذلك فالهوية تشكل أداة أساسية ومدخلًا متميزًا للغوص في مفهوم الإنسانية، فلو تنازلت مختلف الدول والشعوب عن المناداة بهويتها سواء الثقافية والاجتماعية، أو بالأحرى التاريخية، سنكون أمام وحدة الهوية وتكون الإنسانية في صلب وعمق المجتمعات الدولية، مما سيؤدي بطريقة أو بأخرى إلى تحيين الحق الطبيعي، وليس الحق الوهمي بكونك تنتمي إلى هوية معينة.

ولن نستحضر العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولا مختلف الاتفاقيات العالمية التي حصنت مفهوم حقوق الإنسان؛ فالأمر لا يتعلق بتنظيم خط في هوامشه المجتمع الدولي، أو صنعه الإنسان لمحاربة الخروقات التي ارتكبها الإنسان نفسه، بل يرتبط بالرمز الإنساني والهوية الآدمية والفطرة الحقيقية التي تحمل عنوان السلام.

نلمح هنا إلى تحقيق الهوية المشتركة التي تعلو فوق كل تنظيم سياسي وهرم تدرجي، هوية تتميز بقانون حقيقي وفطري معناه المكوث في بطن امرأة تسعة أشهر، فلا حرج أن يكون ذلك هو الهوية المشتركة التي تجمع بين جميع الشعوب ومختلف الحضارات الغربية والشرقية، إنه العنصر المتميز الذي أغفلته مختلف القوى الفكرية، والسبيل الوحيد لتحقيق هوية دامجة والفيصل الأفقي لتجميع المساواة في هذا المجتمع، الذي اجتاحه التشتت العرقي.

وهنا المقصود بشكل أو بآخر الحياة البيولوجية اللصيقة بالإنسان، مهما كانت جنسيته أو قانونه الذي ينظمه داخل دولته وخارج أقاليم بلاده، فالإنسان بشكله الوظيفي قبل أن يترعرع في حضن عشيرة معينة أو في أرض محكمة بسياج تفصل بين النجمة الخماسية والسداسية، كان يعيش داخل إقليم بيولوجي وروحاني يتصارع من أجل النزوح إلى الكون.

فيتضح لنا أن جذور الهوية الإنسانية يستبعد فيها الانتماء إلى الحضارة أو الثقافة أو غير ذلك من التصنيفات المجتمعية، أو ما يطلق عليه بالأنثروبولوجيا، هي أبعد من ذلك لكونها سمة علمية يؤمن بها الجميع؛ إذ لا وجود لمفهوم الحرية، ولا قوة تسيطر قدر المستطاع على الروح الإنسانية، وعلى الهامش يدرك المرء أنه أتى من حقبة مقيدة لا يطغى فيها سوى الهوية الجنينية، ولا حرية سوى الطأطأة في ميعاد الميلاد والسعادة، حينما يريد الله تزكية هذا الإنسان بالروح الطيبة، وعندما يتدارك الإنسان مجمل القوانين العلمية والحكمة الإلهية في تجسيد إنسان كامل بذاته، قال تعالى: «وهديناه النجدين».

إنها الهوية الحقيقية التي تكرس معنى الفرد الإنساني، وليس الهوية اللصيقة بالتنشئة والمختبئة وراء أروقة الحداثة، ونتساءل كيف أغفل العالم أن الهوية المشتركة متجلية في كيان البشر نفسه، وليست التي تمتد في أفكار النخب وتصورات الأشخاص والجماعات.

إن توحيد الهوية يتطلب معركة الحاضر والمستقبل في مختلف أقطاب العالم، تحتاج إلى انتفاضات فكرية، وثقافية، واجتماعية، واقتصادية، ذات التأثير الإيجابي في الوجود الإنساني، وكشرط انتقالي إلى مجتمع الهوية الإنسانية عوضًا عن هوية السوق الاستهلاكية، فتحرير الإنسان من الهيمنة الاستهلاكية يشكل مقاومة حضارية لتحصين الهوية الإنسانية.

فهل استطاع الإنسان نفسه أن يدرك مدى إمكانيته للولوج إلى قيادة هوية إنسانية موحدة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد