لا شك أن كل ما يحدث في العالم من شرور مصدره إما التقصير أو تدني مستوى المسائلة الذي ينتج عنه التقاعس في القيام بالواجبات التي فرضتها المسؤولية والمنصب. وعليه فقد أكد العلماء أن أدق تعريف للمسؤولية هي أنها الحالة التي يكون فيها الإنسان صالحًا للمؤاخذة. فهو بهذه الصفة قد أصبح مؤهلًا وواعيًا ومدركًا، وهي الصفة التي تميزه عن غيره من البشر الذين ذهبت عقولهم أو عن الأطفال الذين لم يبلغوا نصاب المسؤولية. والغالب على ظني أن الحيوانات مسؤولة في مجالات عده، منها حماية أزواجها وصغارها. وتوفير المأكل والمسكن.

فلو تدبرت مشهدًا لنمر يحاول افتراس جاموسًا بريًا على سبيل المثال، ستدرك أن مع احتدام الموقف لا يهرب الأب أو الأم، بل هم مسؤولون بدافع الغريزة والأمومة والحماية أن يحموا صغارهم في مختلف الظروف، واللبؤة مع أنها الأنثي التي يجب أن تدلل فهي التي تخرج للصيد كل يوم بدافع الغريزة والفطرة ولا يمكن أن تنكر ذلك؛ لأنها إن أنكرت دورها لعدة أيام لهلكت تلك العائلة وعلى رأسها ملك الغابة. فإن كان الأمر هكذا في مملكة الحيوان، فلا يمكن لإنسان أن ينكر أنه مسؤول عن كل ما أوتي وكل ما يمثل هو بذاته جزءًا منه. فمسؤولية المنصب ومسؤولية الإنسانية، ومسؤولية العقل، والشرع والصُحبة والأهل والوطن، ومسؤولية الثقة التي أعطاها لك الآخرون ومسؤولية والدين والعلم كلها تقع على عاتق الإنسان. ولا يمكن أن ننسى أعظم نوع من أنواع المسؤولية ألا وهي الأمانة التي قبلها الإنسان من الله تعالى في قوله: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72). الأحزاب.

وتلك الأمانة هي أمانة المسائلة فإن أحسنت جزيت وإن أسأت عوقبت ولهذا كان العقل من نصيب البشر. فهل أدركت حقًا أنك مسؤول عن تلك الروح وكل ما يقع عنها من خير أو شر؟ أم تحاول تجاهل الأمر بالتناسي؟

Image result for ‫المسؤولية‬‎

كما أن عليك أن تدرك أن إنكار القانون لا ينفي العمل به. فلو أنك لا تؤمن بعقاب قاطع الطرق ثم قطعت طريق أحدهم في اليوم التالي ستقع عليك المسائلة رغم أنك لا تؤمن بهذا القانون. فالتملص منها لن يعني إلا جهل كبير يؤدي إلى نتائج لا تُحمد عقباها.

كنت دائمًا ومازلت أعتقد أن تحمل المسؤولية من أعظم سمات الإنسان السويّ، كما أنها أعلى منازل الحرية، فإن لم تكن حُرًا فلست أهلًا للمسائلة. فمثلًا لو كنت متدينًا فعليك الدفاع عن تلك العقيدة بكل الطرق السلمية، ولا تقبل لأحد أن يلغو في معتقداتك مادمت حاضرًا لقول الله تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚوَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68). الأنعام. كما ظهرت المسائلة الدينية والرقابية حينما رأي النبي صل الله عليه وسلم تمرةً على سريره فقال للسيدة عائشة: لولا أني أخاف أنها من تمر الصدقة لأكلتها، وهذه مسؤلية المؤمن. أما إن أردت أن ترى من صور إنعدام المسؤولية الدينية فهي عندما أتى أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم قائلًا: عظني ولا تُطل. فقال النبي: قل لا إله إلا الله ثم استقم. فقال الأعرابي: أريد أخف من ذلك. فقال رسول الله: إذًا فاستعد للبلاء. فالأعرابي قد استكثر واستثقل مسؤولية التوحيد والإستقامة وعليه كان النذير بالبلاء.

أما المسؤولية الفكرية فهي التي ستعرف قيمتها عندما تؤول بك إلى بعض العثرات أو العقبات التي تنتج عن قراراتك. فالمسائلة الفكرية ليست فقط حينما تنال ما كنت ترغب به، بل هي على الأكثر في تحمل تبعات تلك الأفكار وما تألوا إليه حُلوا كان أو مُرًا. وكل مسؤولية فكرية يتبعها تقييم ونقد من الآخرين. فحينما تقبل على نفسك الشُهرة وحرية الفكر عليك أن تتقبل معها كل ما ينتج عن ذلك. لأنها ضريبة تدفع ولكل وجه قبيح آخر حَسنُ. وربما تتضح المسؤولية الفكرية على لسان الثائر في قول الشاعر حذيفة العرجي:

فكيف أسكن بيتًا أطمئن به… وطفلة في بلادي مالها سكنٌ

وكيف ألتذ أو أهنا بمائدةٍ… ويشتهي في بلادي الخبز والجُبن

فلا التفكير خارج حدود عقلك عيب أو جنون، ولا الاسترسال فيما قال عنه الآخرون مستحيل من الخطأ في شيء. لكن كل ما يجب عليك فعله هو ان تعاهد نفسك على تحمل المسؤولية في كل ما ينتج عن أفكارك وقراراتك.

كما لا يمكن لأحد أن ينكر أن ما تألوا إليه الشعوب من هناءٍ أو تعاسة هو من نتاج قرارات حكامها وهنا يكمن دور مسؤولية المنصب وهي من أهم أنواع المسؤولية لأنها تتعدى بالشخص أن يكون مسؤولًا عن ذاته وأهله أو عشيرته فقط إلى إطار المسؤول الأول عن كل ما يجري لكل روح بشرية كانت أو حيوانية تقع على الأرض التي يحكمها، والفصل الذي يديره، والمطعم الذي يعمل به والتجارة التي يملكها والبيت الذي يسكنه والوظيفة التي يترددها وغير ذلك الكثير في كل مجالات الحياة التي لخصها النبي الكريم صل الله عليه وسلم في قوله “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، ولعل أفضل مثال لدور الحاكم هو لعمر بن عبد العزيز رحمه الله. فلما نام عمر القيلولة في اليوم الأول من توليه الخلافة، فأتاه ابنه الصالح عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز، فقال: يا أبتاه! أتنام وقد وليت أمر أمة محمد، فيهم الفقير والجائع والمسكين والأرملة، كلهم يسألونك يوم القيامة، فبكى عمر وقام من فراشه، وكانت مقولته بعدها: لو عثرت دابة في الشام لسُئلت عنها.

ولو أن كل معلم اتقى الله في مكانه لما فسد طالب، لكن هذا الأمر يتطلب مسؤولية الطالب أيضًا وعلى الطالب أن يفهم أنه في مكان علم وأن المعلم هو سيد وأمير هذا المكان، ولا تتحقق المعرفة إلا بشعور الطرفين بما وقع على عاتقيهما من مسؤولية.

وفي أصحاب المحال التجارية أن يتقوا الله في الأسعار ولا يغالوا أو يحتكروا السلع فهذا تضييق على الناس ولهذا قالت السيدة عائشة رضي الله عنها قال النبي صل الله عليه وسلم في بيتي«اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ» رواه مسلم وهو في ولاة الأمر ومن هو في كل موضع للمسألة. فلا تحاول أبدًا أن تلقي اللوم على الآخرين فيما ينتج عنك. كم على قدر الإدارة والأبوة والزوجية والعمل والمواطنة والأخوة والإيمان وكل تلك المعايير التي تحددك كإنسان بمسؤوليتك.

أهمية تحمل المسؤولية

إن تحمل المسؤولية لمن أروع صور الحرية، فالإنسان الحر المسؤول هو المالك لزمام أموره، يتحمل عاقبتها في الخير والشر. فإن كانت العاقبة ليست كما توقع أصلح من نفسه وعمل على تحسين ما صدر منه، وإن كان خيرًا كما أراد كان له الفضل بعد الله فيما آلت إليه الأمور.

زيادة الثقة بالنفس وتعزيز روح المودة مع الآخرين. فالإنسان إن أحسن التصرف مع نفسه عاش راضيًا وإن أحسن التصرف مع غيره عاش سعيدًا بحب الناس له. وأصبح مقبلًا على الخطوة القادمة بكل عزيمة ودون تردد. فيكسب بذلك إحترامه لذاته وثقة الآخرين فيه.

المسؤولية تعزز روح الإدراك وتفشى العدل وترفع الثقة بين الناس.

إن تعود الشخص على المسؤولية حتى وإن كان في مجتمع تسوده الفوضي والتقصير لهو مدعاة للإصلاح، فيصبح الشخص المسؤول بين معارضيه كجبريل عليه السلام لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه من الحضور احد، لكن كل همه الإصلاح حتى مع رفعة مقامه وعلو شأنه.

وختامًا فقول الله تعالى: فَوَرَبِّك لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ. الحجر.. هو القاعدة الأساسية التي يتلخص فيها كل الوضع لأنك إن سألت فقد بدأت، أما إن كنت تعلم أنك ستُسأل فقد وجب عليك الاستعداد. فكل صاحب سلطةٍ يعرف مايفعل وإلا فلا يستحق المنصب الذي هو فيه، فلم يأتي به أحدهم ليلقي اللوم على من هم دونه في المنصب. وإن كنت ممن ليست لديهم القدرة على تحمل المسؤولية فالأفضل لك وللكل أن تتركها لمن يستحقها، لكن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، فما أتاك لم يكن لغيرك منه نصيب. لهذا وجب عليك أن تستجمع قواك وتفعل ما كنت ستتمنى أن يفعله لك غيرك لو كنت أنت المُحتاج، وتذكر أنه حتى العصفور لا يبني عُشه في قفصٍ حتى لا يورث العبودية لصغاره، وأنت الذي قال الله تعالى فيه «ولقد كرمنا بني آدم» وعليه فإن فالأمر لا يحتاج إلى كاميرات للمراقبة في كل شارع ومؤسسة أو على واجهات البنايات ليعتاد الناس بالخوف الالتزام بحسن التصرف تحت مختلف الظروف. إن الأهم هو أن يوقظ كل منا آلة المراقبة الربانية التي أودعها الله فينا ألا وهي الضمير لتكن منبه تعاملات السريةً والعلنية ليُصلح بها شأن الفرد والجماعة، في كل البلاد ولمختلف العباد. دمتم بخير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد