صغيرٌ هو القمر وصغيرةٌ هي النجوم أيضًا إذا ما نظرتَ إليها ونحن هنا على هذا الكوكبِ البعيدِ، في حين لا يدل ذلكَ على حقيقة حجم القمر والنجوم، ولكنَّه انعكاسٌ لما نراه من زاويتنا الضيقة فحسب.

الأرض ذاتُها تلك الكبيرة المتسعة لكل الظواهر الطبيعية والبشر. تنظر إليها من الطائرة فتجدها كذلك صغيرة، فالأمر إذن يتعلق بزاوية الرؤية لا بحقيقة الأرض أو القمر أو النجوم في الحجم والشكل، إنما زاوية الرؤية واتجاهها وما توحيه من شعورٍ بالعظمة، أو ما توحيه بضآلة الحجم والمساحة.

كما الدنيا وأحداثها وتفاصيلها وأخبارِها يكون شعوركَ بها حيث الجهة التي تقف عليها، وبالنظرة التي ستكون ثابتًة واحدًة لكَ، والتي ستتحول لحقيقةٍ تسلِّم بها ما لم تتحرك قليلًا، حتى تتغير طالما لم تحاول عدم الركون طويلًا في تلك النقطة المختارة، فيتبعها تغيرٌ في الشكل والمنطق، بل الشعور بها كذلك.

كم من موقفٍ أو حادثةٍ بعد فترة وجدنا أن جُلَّ ما نعتقدُه حولها خاطئًا، وما كان الأمرُ كما رأينا، بل تتبدَّل من كونها مجرد وجهة نظر تحتمل الصواب أو الخطأ إلى الحكم على كل شيء من خلالها وإعلانه بكل ثقةٍ وجرأة أنه الصواب الدقيق الأدق والنداء إلى العمل به وتطبيقه بالقوة في أحوال مشابهة؛ لأنه – كما يبِرر – قد حلل وفسَّر ووصل إلى هذه «الحقيقة الواضحة المطلقة»، ولا لبس في ذلك!

الكلماتُ في لغتنا، بل اللغات الأخرى أيضًا يكون لها أكثر من معنًى ومفهوم تبعًا للسياق، والفقرة التي ذُكِرت بها، فما بال ما تمر به حواسنا وعقولنا يوميًا من حوادث وتجارب (سلبيًة كانت أو إيجابية)، حتى تحاول الوصول لتحليلٍ منطقي لها في سياق ما حدثت به؛ فيتكون لديها مخزون ينطلق في أحداثٍ ومواقفَ مشابهة إلى أن تصطدم بمعان مختلفة أكثر عمقًا، بالرغم من تشابه الأحداث، وهذا ما قد يشكل التشتت في أحيان كثيرة.

كل شيء إلى التغير والتبدل، حتى أجسادنا خلايا تموت وأخرى تولد، نرتفع ونسقط، كل لحظة بحال مختلف، كيفَ وهذه طبيعة أدق الكائنات بداخلكَ فماذا عنكَ أنت؟

الأمر قد يبدو مرعبًا في ظاهره، ما الذي يضمن أن ما تراه أمامكَ والمطلوب تكوين صورةٍ كاملةٍ له – حتى تستمر الحياة حولكَ – هو الصحيح والذي سيتبعه السلوك حتمًا؟

البشر لديهم جوانبَ وتفاصيلَ خفية حتى عن أنفسهم، بعضها يُعرَف بالمعاشرة وبعضها يعرف بالكشف مع الحدث والبعض الآخر يبقى مُخبئًا معه حتى موته يدفن معه، فكيف بالتعقيدات الإنسانية والسبب والدافع وراء سلوكٍ ما؟ كل هذا يدفع بالإجابة إلى أن السرعة في تكوين الصورة الأقرب للحقيقة فكرة غير سليمة؛ لأنه مهما حاولنا الوصول إليها لن نفلح بشكل دقيق، لذلك فإن الإقتصارعلى النظرة الضيقة للأمر والتي يمكن استدعاؤها لمعرفة ما يمكن القيام به حينما يخضع الشخص لذات التجربة والموقف كل هذا جهلٌ في ذاته، وادعاء معرفة الحقيقة الكاملة والتشبث بها والتعصب يعمي القلوب قبل الأبصار.

«اصبِـر على مُر الجفـا من معلمٍ

فإن رُسـوبَ العـلم في نفراتِـهِ
ومن لمْ يذُق مُر التعلّم ساعــًة

تَـجرّع ذل الجهـلِ طـولَ حياتِـهِ
ومن فَاتهُ التعليم وقت شبابه

فكبِّـر عليـه أربعًـــــا لوفاتـِــــهِ

وذاتُ الفتى والله بالعلم والتقى

إذا لم يكونا لا اعتبـــار لذاتِهِ»*

 

قديمًا كانوا يدركون قيمة البعد الآخر للشيء، وإن كان في ظاهره مشقة، فكل أمر يكونه الخير والشر، يسر وعسر لا ينفصلان، ولن ينفصلا؛ لأن هذا وحده ما يُعَلِم الإنسان الرفقَ والحكمة، فلكلٍ وجهان: سلبي وإيجابي، وما عليك سوى اختيار الطريق المناسب للكفاح بهما والمقاومة،  ولن يستقيم واقعٌ إلا بذلك، فالإنسان ليس بالمخلوق الذي يكتفي ببقائه في كهفٍ مغلق بعيدًا عن كل ما حوله.. هناكَ تضحيات وثمنٌ علينا دفعه مقابلَ ما نريد، لا العقل ولا القلب ولا غيرهما مرجع ثابتٌ في ذاته، وإنما إدراك ذلكَ هو الثابت الوحيد؛ إدراك أن ما نتعلمه باستمرار يغذيهما ويوسع من قدرتهما على التحليل والشعور بشكل أكثر نقاءًا و موضوعية، وتحرر فيما يعود علينا بنظرة أشملَ وأوسعَ، حتى لو لم نقترب كثيرًا من الحقيقة يكفينا شرف المحاولة.

https://www.youtube.com/watch?v=H9rgw_dX4OM

عنوان الفيديو عن الذاكرة، والذي قد يبدو بعيدًا عن فكرتنا لكنه يخدمها بشكل ما، لن ينقلنا فقط إلى فكرة أن العقل أحيانًا يمكن أن يخطئ في معلومات مجردة مطلوبٍ تذكرها إلى خطأ التحليل والتفسير والحكم، بل سينقلنا إلى ما هو أخطر من ذلك.. «التاريخ» ما الذي يضمن أن ما نقرأه قد حدث بالفعل كما رُوي لنا؟ ليس تشكيكًا في روايات أو تدقيقِ ما إذا كانت كاذبة أو صادقة، ولكن الأخطر هل تَدَخّل هوى وميل الراوي في عرض الرواية مما يعطي إيحاءًا بحب طرف وكره آخر بناءًا على أسلوبه ومن ثم تكوين صورة كاملة عن حقبة تاريخية ما أوعن شخص ذُكِر مِرارا؟ لذا من المهم قراءة ذات الحدث من أكثر من مصدر، بل ممن شارك في الحدث نفسه إذا ما تمكن من روايته من وجهة نظره بالطبع.

الأمر لا يقتصر على بعد أو قرب الحدث زمنيًا أو مكانيًا أو حتى في نظرتنا إليه، تتدخل عوامل بداخلنا في تحديد حتى ما نراه وما نرفض رؤيته، فمثلًا: كنتَ منتميًا إلى فئة ما أيًا كان نشاطها وفكرها وهدفها سترى ما تريد رؤيته وستغض الطرف عما لا تريد الاستماع إليه، حتى لو أردت أن تكون موضوعيًا، سيصل الأمر إلى حد عدم الإدراك في الأساس أن هناكَ قطعة أخرى مكونة للصورة التي تدعي رؤيتها بوضوح وأن هذه القطعة هي السبيل الوحيد للرؤية الدقيقة، وليته يتوقف عند حد الرأي والفكر الذي سيفسره منطقك بأنه لا خلاف في القضية ويبقى الود، بل سيتحول إلى اضطراب الشعور الإنساني بمختلف ألوانه والذي لا ضابط واضح له بداخلك، إما أن ينفجر وإما أن يخمد قليلًا بشكل تلقائي.

الأمرليس صعبًا وليس سهلًا، المغزى في كيفية الموازنة بين الأفكار المسبقة المخزنة والشعور والانطباعات وبين ما هو جديدٌ علينا، والذي قد يكون مشابهًا لما قد تم المرور به ويحتاج مجهودًا في تفسيره، فلا يجب أن نحث الخُطى لإضفاءِ صورة الحَكَم السابق على التجربة الجديدة، وإنما التأني والتروي ريثما تتضح الرؤية.

كثيرًا ما نفتقد صفاتِ من نحبهم ونشتاق الشعور بها، فإذا ما وجدناها في أحدهم نسرع في التعلق به وهذا سلوكٌ طبيعي بالمناسبة، لكن ما قد يفوتنا كما السابق «كامل الصورة» وهذا يتضح أيضًا في الالتحاق بالوظيفة على سبيل المثال: – نجد شخصًا في حاجة للمال فتظهر أمامَه فرصة للعمل بمبلغ عال؛ فيسرع لنيلها، لكن ظروف العمل ستضطره إلى البقاء بعيدًا عن أسرته لفترات طويلة – نرغب وبشدة في الالتحاق بمجال دراسي معين، ثم يتضح لنا صعوبته وحاجته لمجهود أعلى مما كنا نتخيل، وهكذا.

التدريب على استخراج نقاط الضعف والقوة في كل خطوة، دون مجاملة أو تزييف، حتى لو كانت النتيجة غير موفقة في مراتٍ عدة ستكون تجربًة جيدة، فالأهم ليس الصواب أو الخطأ، بل الأهم القدرة على تصفية ما قد يُعمي البصر عن الرؤية بشكل أقرب للحقيقة، فقط علينا المحاولة.

 

*الإمام الشافعي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد