صانعو الإدمان

يولد الإنسان وهو كالصفحة البيضاء، بميول سليمة واعتدال في الكم والكيف، الَّذي يُذهب به حاجاته الجسدية. ومن المفترض أن يكمل حياته بهذه الطريقة، التي تضمن له الحياة السليمة، والعافية الجسدية والنفسية على حدٍ سواء. بدون إفراط ولا تفريط، ولا عادات من شأنها أن تتعب الجسد، وترهق النفس، وتسرق النقود من الجيوب، لتلقي بها في جيوب المستغلين أصحاب رؤوس الأموال والشركات الكبرى.

لكن مع مرور الوقت، يُزجُّ به في قفص الرغبات الكثيرة، التي يخلقها المجتمع، وأسلوب الحياة الجديد الَّذي نحياه، ونظام الرأسمالية (CAPITALISM) ذو النزعة الاستهلاكية المفرطة، الَّذي نرزح تحت وطأة قوانينه الصارمة.

لذلك، سرعان ما تتحول تصرفاتنا وممارساتنا، وطرق تأمين حاجيّاتنا المُصطنَعة لنا، والمفروضَة علينا كحاجات ضرورية ورئيسية، إلى عادة سيئة. ومع مرور الوقت، تتحول العادة إلى حالة مرضية تُدعى الإدمان.

يُعرَّف الإدمان، بأنّه فقدان السيطرة على التحكم بفعل، أو تناول، أو استعمال شيءٍ ما، لدرجة يصبح ذلك مؤذيًا للمدمن. مما يعني اضطرابًا في السلوك يؤدي إلى تغيب العقل، لتسود لذة عارمة تنتج من إفراز الدماغ لمادة الدوبامين؛ من جراء ممارسة المدمن الفعل أو الشيء الَّذي اعتاد عليه أو أدمنه، فيغرق في وهم السعادة والانتشاء المصطنع.

ولكنّه لا يدري أن هذه السعادة العارمة محض وهم وسراب، لا يلبث أن يتلاشى مُخلفًا وراءه آثارًا سلبية كثيرة على النفس والجسد، وثقوبًًا مجوفة كبيرة وعميقة في جدار الروح.

واليوم، في زمن العولمة، وانتشار الشركات العابرة للحدود والثقافات، برعاية الرأسمالية المروجة للاستهلاك غير المنضبط والمنفلت، الساعية إلى تحقيق جنَّتها الاستهلاكية على الأرض، أصبحنا نعيش في عالم لا يحارب العادات السيئة، والتي تفضي إلى الإدمان بشقيه السلوكي والكيميائي، وإنما يعمل على صناعة الإدمان وتسويقه، ويجعله ثقافة وطراز عيش مثالي يدعو للتفاخر، ويعمل على نشره عن طريق وسائل الإعلام والإعلانات المتنوعة، وشتى الطرق والوسائل المتاحة.

ولأن أفضل مستهلك عند الشركات التي تتبع هذا النهج، هو المستهلك المدمن الَّذي يحتاجها بكلِّ ذراته وخلاياه. فإنها تعمل على إنتاج المستهلك المدمن، قبل المنتج الَّذي تقدّمه. تجري في المقام الأول عملية غسل دماغ له، وتجعله يصدق أنه في حاجة ماسة لهذا المنتج أو المتعة، لكن هذا وإن نجح لا يحقق طموحات الشركات الطامحة وآمالها لقطف الثمرة الأكبر. فتنتقل إلى الخطوة التالية، وهي تحويل المستهلك إلى مدمن وفي لمنتجاتها، وبالتالي تضمن بقاءها والربح والنجاح المستمر.

لذلك، نلحظ أنَّ مصطلح الإدمان قد تشعب كثيرًا في الآونة الأخيرة، وأصبح له ضحايا كثر يندرجون تحت عنوانه الرئيسي وتقسيماته المتعددة والمتشعبة.

وفقًا لمبادرة الإدمان الخيريَّة، فإنَّ شخصًا واحدًا من كلِّ ثلاثة أشخاص مدمن على شيءٍ ما، غالبًا ما يكون خارج إطار الإدمان التقليدي، الّذي يتشكل في أذهاننا للوهلة الأولى عند ذكر كلمة إدمان أو مدمن، أي غير مدمني التدخين، والمخدرات، والكحول.

اليوم، أصبحنا نعاني من إدمان السوشيال ميديا، والهواتف الذكية، وسلبها للعقول وما تؤدي إليه من انهيار العلاقات أو توترها بين الأفراد داخل المجتمع الواحد، وتحت سقف الأسرة الواحدة.

ومن إدمان الإنترنت عامة، فبحسب دراسات فإن 6% من مستخدمي الإنترنت مدمنون عليه، ويحرقون أوقاتهم وأجسادهم بالساعات الطويلة التي يقضونها على نوافذه.

ونعاني من إدمان التسوق المفرط والزائد عن الحاجة. ومن إدمان السكريات والوجبات السريعة، والطعام عمومًا. وهذا ما سبب ارتفاع معدل السمنة بنِسَبٍ كبيرة في العالم، خصوصًا في منطقتنا العربية.

ونعاني من إدمان الجنس ومشاهدة الإباحيات، وإدمان التلفاز والألعاب الإلكترونية، على ما تحتويه من عنف وجنس يحفران في عقول الصغار في منطقة اللاوعي؛ مما يؤثر على سلوكهم سلبًا.

ونعاني – وهذه الطَّامَّة الكبرى- من «قابلية الإدمان» أو «إرادة الإدمان» على كلِّ شيء تطاله يد منفعة الشركات الكبرى، ويفتح لها آفاق ربحٍ جديدة. لا سيما أنها تقوى وتكبر كلّما أنفقنا أكثر، وتستمد بقاءها من جيوبنا.

أشح بنظرك عن هذه المقالة قليلًا وراقب من حولك، ربما رأيت أحد المدمنين حولك أو في نفسك..

وانطلاقًا من منطلق «لكلِّ فعل رد فعل» نتج من أسلوب الحياة الَّذي ترعاه الرأسمالية اليوم، اختلال في ميزان الأولويات على صعيد الأفراد والمجتمعات.

فالطفل الذي لا يجيد القراءة، بحاجة ماسة إلى كتاب ومدرسة ومدرِّس، قبل لوح إلكتروني (ipad)، وقبل مشغِّل الموسيقى (ipod) لا يفارقه من الصباح وحتى النوم.

والأُسَر تحتاج إلى تواصل حقيقي بين أفرادها، تحتضنه وتلفه المشاعر الإنسانية الحقيقة الطازجة والمباشرة، بعيدًا عن أضواء الهواتف المسكرة، ومواقع التواصل الاجتماعية الحديثة. تلك التي أوشكت على إبادة التواصل الحقيقي الحي والمباشر بين أفراد الأسرة الواحدة، والمجتمع الواحد.

والرجل الَّذي يستل رغيف خبزه من الصخر، ويعيش في ضيق مادي لا يحتاج إلى أحدث الأجهزة التي تنتجها شركة آبل (APPEL)، ينفق لأجلها ما يساوي دخله لشهور.

والمرأة التي تبتاع ما يفيض عن حاجتها، وتتسوق لأجل أن تتسوق فقط، مبدِدةً في ذلك المال الكثير، وبعدها بطاقات الائتمان، لا تحتاج إلى أن تُغرِق نفسها بالديون، وبما لا ينفع أبدًا ولا طائل من وجوده، القاسم المشترك بين هؤلاء أنَّهم عالقون في قبضة الإدمان، ومغيبون عن أنفسهم وما يصلح حالهم وما يحتاجونه حقًّا، وأغلبهم لا يرى نفسه مدمنًا.

والأمثلة تطول وهي كثيرة، وكلّ ما ذكرناه من أنواع الإدمان الحديث لا يقلّ خطورةً وفتكًا، على المدى البعيد، بالفرد، والأسرة، والمجتمع، عن الإدمان التقليدي، إذا جازت العبارة.

ولم تقتصر يد التخريب والعبثية على هذا وحسب؛ فإنَّ علماء الاجتماع، مثل دافيد بِل، يسجلون أنَّ النجاح الاقتصادي للدول الرأسمالية، قد قوَّض القيم الخلقية أو نسفها تمامًا. وشُوهت الخصال الحميدة، مثل الكرم وعدم التبذير، والإخاء والمروءة، والسلوك السليم، وحسن المعشر والجوار.

إن أول العلاج أن نضع أيدينا على مواضع الألم، وأن ندرك وجوده، فإن فاتنا الإدراك باكرًا فلا يفوتنا التدارك عاجلًا.

وفي النهاية، ما مثل الإنسان والأهواء والرغبات التي تجاذبه وتراوده عن عقله، ونفسه، وعافية جسده، إلا كمثل الرجل القابع في غرفة كثيرة الأبواب، بعضها موصد، وبعضها مطبق أو مفتوح بقدر الحاجة، وبما يكفل سلامة الرجل. كلُّ عادة سيئة تعد بابًا من تلك الأبواب، بعضها لا نحتاج لفتحه أبدًا، كالتدخين، والمخدرات، والقمار وما شابهه، والبعض الآخر كالأكل، والشرب، والجنس، واستعمال الإنترنت والتكنولوجيا الحديثة، نتركه بين الفتح والإغلاق، وفي دائرة تصرفاتنا الإرادية، ومجاريه المخصصة بقدر الحاجة.

إنَّ كلّ باب مغلق نقرّر فتحه، سواء كان بوعي مسبق بعواقبه، أم بجهل تام، سيخلع التيار المتدفق بقوة من الخارج نحو الداخل دفتي الباب، ومن الصعب جدًّا علينا إغلاقه، فإن كان فتحه بقرارنا وإرادتنا فإن إغلاقه غالبًا ما يتطلب منا أضعاف تلك الإرادة، وربما بدا إغلاقه مستحيلًا عند البعض فترك المحاولة، واعتصم بيأسه وعجزه.

انتبه لأبوابك، وحاول ألا تزيد المفتوح منها، وابقها دومًا داخل نطاق سيطرتك، واعتصم بحبل الاعتدال وابتعد عن المغلق ما دام قرار الفتح في يدك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد