هل سبق وتمنيت شيئًا بشدة ثم لما حصلت عليه أصبحت تتمنى لو ظللت على حالتك الأولى بدونه؟ ألا يمر كل إنسان بمصائب تجعله يستفسر عن سبب البلاء الذي أصابه، ثم بمرور الوقت يكتشف أن هذا البلاء كان خيرًا له مصداقـًا لقوله تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خيرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}؟ يطرح فيلم The Willow Tree هذه الأسئلة وغيرها.

48

القصة عن يوسف الأستاذ الجامعي الضرير. يعتبر متابعي أفلام مجيد مجيدي، هذا الفيلم بمثابة جزء ثان لفيلم لون الجنة الذي كان عن طفل ضرير حيث تكتمل القصة هنا وقد صار الطفل رجلاً في منتصف العقد الرابع من عمره. يوسف متزوج من امرأة حنونة تساعده في كتابة أبحاثه، ولديهما طفلة ظريفة ويبدو قنوعًا بحياته رغم إعاقته إلا أن ورمًا ينمو أسفل إحدى عينيه يجعله يسافر لفرنسا للعلاج. هناك يصادق شخصًا أصيب بشظية في رأسه وتؤثر علي إبصاره. يخبر الأطباء يوسف أن ورمه ليس خطيرًا وأنه مؤهل لعملية زرع القرنية لتمكينه من الإبصار مجددًا. يسأله صديقه إذا كان خائفـًا من فشل العملية فيرد عليه أنه ربما يخاف من نجاحها!

 

49

تنتهي العملية ويتعجل يوسف فك رباط عينيه، ليكون أول ما يراه بعد الضوء المبهر هو نملة تحمل طعامًا كإشارة لاستجابة الله لدعائه، فقد كان يكتب رسالة مناجاة لله بطريقة برايل يدعوه أن يتم عليه نعمه بإعادة بصره له.

يعود يوسف لموطنه ويستقبل استقبالاً حافلاً في المطار من أقاربه وزملائه ومعارفه وطلابه، تتشابه عليه الوجوه فلا يكاد يميز أحدًا يعرفه فهو لم يبصر منذ فقد بصره في طفولته، إلا أن نظرة أمه تجعله يميزها من بين الحشود فتذهب وتقف بجانب زوجته لتعرفها له والتي بدورها تعرفه على ابنته، وقد يتساءل المشاهد ماذا بعد هذا المشهد المؤثر؟ إلا أن هذا مجرد تمهيد لأحداث لاحقة.

يمضي يوسف الأيام الأولى من عودته محاولاً إعادة التأقلم على بيئته بعد أن أبصر، صحيح أن الأعمى يشحذ من حواسه الأخرى ليعوض نقصه، إلا أن عودة البصر تجعله يتصرف كما لو كان مولودًا بالأمس. فالنباتات مثلاً ملمسها مختلف بعد أن صار يراها ويميز ألوانها. منذ عودة بصره، وهو يلحظ كم تقدمت به السنون، ولعل هذا أثر عليه نفسيًّا، فيبدأ في إعادة حساباته في شؤون حياته كلها.

50

يتخلى عن عمله بالجامعة فتطلب منه زوجته مساعدتها بعملها بمدرسة الأطفال المكفوفين، لكن بمجرد دخوله فصلاً من الفصول ومشاهدته أعين المكفوفين يركض مفزوعًا خارج المدرسة! لقد تصرف يوسف هنا كشخص عادي، فالأشخاص العاديون يخافون ما لا يفهمونه وأغلب الأناس العاديين لا يفهمون المعاقين وينظرون إليهم برعب كأنهم مخلوقات من كوكب آخر!

 

أمر أخر يمر به هو أزمة منتصف العمر، فهو في منتصف الأربعينيات ومنذ أبصر صار يقارن بين مظهر زوجته وأخريات، وتعلق بامرأة أصغر سنـًّا كانت تعرض رسالتها العلمية عليه لتقييمها.

 

تتأكد شكوك زوجته حول هذا الموضوع لتهجره مع ابنتها، وتعرف أمه فتواجهه فيرد بغضب معلنـًا سخطه على حياته السابقة وأنه لا يعتبرها حياة وأنه يريد التخلص من كل آثارها وبدء حياة مختلفة ووسط كلامه تتركه أمه مكلومة لتمرض بعدها بساعات.

 

يحاول قريبه نصحه لكنه لا يستجيب ويبدأ بالتخلص من كل أعماله الأكاديمية بإلقائها في فناء منزله حتي تبعثرت كل أوراقه البحثية وكتبه، وحتى رسالته التي ناجى فيها الله ليرد إليه بصره! يعد هذا مثالاً لمن وصفه الله في كتابه الكريم {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}.

 

51

يبدأ بإحراق كل شيء، حتي صوره مع عائلته ليتخلص من ماضيه، وأثناء ذلك يجد رسالة أرسلها له صديقه من فرنسا. لقد فقد صديقه بصره تمامًا لكنه يقول أنه صار يرى أكثر منذ أصيب بالعمى ورضي تمامًا بقدره، ويسأل يوسف إذا كان رأى أشياء ترضيه منذ أصبح قادرًا علي الرؤية؟

 

فجأة يشعر يوسف بالألم مرة أخرى في عينيه، فيأخذه قريبه للطبيب الذي يفسر الأمر برفض جسد يوسف القرنية المزروعة؛ مما جعله أعمى مجددًا. ينفعل يوسف بشدة ويندفع خارج العيادة رافضًا مساعدة أي شخص، ويسير هائمًا في الشوارع لا ينوي على شيء. يسقط في بركة مياه ملوثة وتتلطخ ملابسه بالوحل، ويأخذ فرع شجرة ليكف عن الاصطدام بالناس في الشارع محاولاً العودة لمنزله.

 

53

من كان يصدق أن هذا هو نفسه الأستاذ الجامعي المرموق؟ يصل لفناء منزله ليبكي بحرارة ويبحث عن رسالة مناجاته لله فيجدها في نافورة منزله لم تفسدها المياه، ولم تحترق ويقرأها سائلاً الله أن يعطيه فرصة أخرى ليبدأ حياته مجددًا بعد أن فقد كل شيء، لتسير على رسالته نملة تحمل طعامًا كإشارة لإعطائه فرصة أخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد