رياح التغيير آتية لا ريب وعندما تهب لا يستطيع أحد أن يوقفها وتجرف في طريقها أوتاد التعصب والاستبداد والرجعية.

فيلم “الشك” من إنتاج عام 2008م والذي رُشح لأكثر من 64 جائزة دولية، وُرشح كافة أبطاله لأشهر جائزتين “الأوسكار” و”جولدن جلوب”، وكذلك رُشح السيناريو لتلك الجوائز، السيناريو المستوحى من مسرحية ناجحة حملت نفس الاسم وحصلت على جائزة بوليتزر الأمريكية.

فقد نجح مؤلف الفيلم ومخرجه “جون باتريك شانلي” في أمثولته التي جاءت أشبه بالقصص الوعظية التي كان يقصها السيد المسيح على حواريّه أن يطرح في شريطه الممتد على مدى 104 دقيقة – هي مدة الفيلم- قضية غاية في الأهمية، ذلك الصراع الأزلي بين الرجعية والتقدم. الحرية ورياح التغيير التي تواجهها بشدة أوتاد التعصب والتزمت الضاربة بجذورها في الأعماق وتحاول إيقافها بكل ما أوتيت من قوة لتمنع سريانها في النفوس والعقول واقتلاع رواسب الجهل والتخلف.

الشك والمجتمع الأمريكي المأزوم

“ماذا تفعلون عندما يتملككم الشك؟! العام الماضي عند اغتيال الرئيس كيندي مَنْ منا لم يشعر بالتضليل الشديد؟! اليأس.. أي طريق؟! ماذا الآن؟! بِمَ أبلغ أطفالي؟! بِمَ أخبر نفسي؟! الناس كانوا يتكاتفون آنذاك، يتشاركون يأسًا واحدًا، يأسك كان رباطك برفيقك، كانت تجربة عامة، كانت فظيعة ولكن خضناها معًا”. الأب فيلين

تبدأ الأحداث عام 1964م على خلفية اجتماعية وسياسية زلزلت المجتمع الأمريكي المأزوم وقتذاك على أثر اغتيال الرئيس “جون كينيدي” نوفمبر 1963م، ومن المعروف عنه دعوته لنبذ العنصرية بين البيض والسود في المجتمع الأمريكي وفي عام 1961م في عهده سجل أول طالب أسود للالتحاق بالجامعة في ولاية مسيسبي. استنادًا إلى تلك الأحداث بدأ الفيلم بعظة يلقيها الأب فيلين “فيليب هوفمان” على أعضاء إبرشيته الكاثوليكية متناولًا قضية “الشك”، أي إنسان معرض أن تساوره الشكوك وبعد اغتيال الرئيس يسأل نفسه ماذا بعد؟!

وماذا يحمل لي المستقبل؟! والشك كاليقين من الممكن أن يكون رابطًا قويًا يجمع بين الناس، وعندما يشعر أي إنسان بذلك الشك فليعلم أنه ليس بمفرده”. أثارت تلك العظة “الشك” إزاء الأب في نفس الراهبة “ألويسيس” التي أدت دورها ببراعة الممثلة العالمية “ميرل ستريب” وناظرة مدرسة سانت نيكولاس التابعة لإبرشية الأب فيلين؛ مما دعاها لتحذر راهبات المدرسة منه لأن ما ألقاه في العظة مؤكد ما هو إلا انعكاس لأفكار تدور بخلده.

“يا مَنْ تحضرون الآن في الكنيسة وتعون جيدًا أزمة الإيمان التي أصفها، أريد أن أقول لكم: الشك قد يكون رابطًا قويًا ومؤثرًا تمامًا كاليقين، عندما تضل فأنت لست بمفردك”. الأب فيلين

الفكر المتحرر وصراعه الأبدي مع الجمود

نجح الفيلم في تجسيد تلك المباراة الصراعية بين فكرة التعصب والجمود والاستبداد والرجعية الممثلة في شخص الراهبة حادة الطباع المتزمتة المحبة للسيطرة، والتي تتعامل مع طلاب مدرستها بمنتهى الشدة والصرامة، حتى كادت أن تتحول المدرسة إلى سجن خانق، ومقلوب تلك الشخصية التي جسدت أفكار الحرية والتقدم والانفتاح ومواكبة العصر والتسامح الديني الممثلة في شخصية الأب فيلين المرح المتباسط مع التلاميذ المقرب منهم ومصدر ثقتهم. الراهبة التي ترى أن القساوسة والرهبان والراهبات ورجال الدين هم أشخاص مختلفون عن غيرهم من الناس، بينما يؤمن الأب أنهم بشر مثلهم وغير مختلفين عنهم، وأن لكل إنسان بما في ذلك رجل الدين أخطاءه وذنوبه.

فبدت الشخصيتان على أنهما نقيضان لا يجتمعان. الراهبة دائمة التوجس بشخصيتها الآمرة التي تحاول أن تجسد فكرة النظام والالتزام الحرفي بالقانون دون الأخذ بروحه. تمر على الفصل تقمع الطلاب وتصادر حاجياتهم التي لا تحبها هي!

تطلب منهم تقليم أظافرهم وأن تبتعد الفتيات عن أماكن جلوس الفتيان بدعوى الفضيلة، محاولة اجتذاب الراهبة الشابة جايمس “إيمي آدمز” – الشخصية الإنسانية الطيبة- لاتباع نفس سلوكها وتطبيق نفس أفكارها على تعاملاتها مع الطلاب وتعطيها نصائح “شمولية” في أساليب السيطرة والمراقبة التي من الممكن أن تستخدمها لقمع الطلاب. بينما على النقيض من ذلك تظهر شخصية الأب المنفتحة تمامًا المستنيرة الذي يحاول أن يواكب ما في العصر من تطورات، وما في المجتمع من تغيرات؛ ليرمم العلاقة بين الناس والدين ويجتذبهم بأسلوبه الرحيم، يداعب الطلاب ويشاركهم تدريباتهم الرياضية.

يشاركهم نفس المائدة ويستشيرونه في كيفية معاملة الفتيات، لا يطلب منهم أن يقلموا أظافرهم لأنه هو نفسه أظافره يحبها طويلة! ولكن المهم أن تكون نظيفة! فدعم بذلك حرية الاختيار لديهم لما يفضلونه هم لأنفسهم، يدخن السجائر وتجمعه الأحاديث الودية مع زملائه القسس على مائدة العشاء. بينما وظف المخرج استخدامه للمونتاج المتوازي ليبين الفرق بين مائدة الأب فيلين ومائدة الراهبة أوليسيس الجافة الجامدة الخالية من تبادل الأحاديث يسودها الخوف والتململ.

شن على الحرب على الحرية

بات الأمر جليًا أن كل تصرفات الأب فيلين لا بد وأن تشكل مصدر خطر وتهديد لكل ما آمنت به الراهبة واعتقدت أنه شيء راسخ أصابه الجمود وأنه الصواب ولا شيء غيره، وأن كل مَنْ يحاول الابتعاد عن ذلك هو مارق وضال ولا بد من محاربته. فما كان منها إلا أن تنتظر التكئة التي تستند عليها لتشن حربها الشعواء وهجومها الضاري، ووجدت أخيرًا ضالتها عندما جاءتها الراهبة الشابة جايمس تفضي لها بما أثار قلقها من اهتمام الأب فيلين الزائد بأحد الطلاب. كان هذا الطالب زنجيًا وهو أول طالب أسود يلتحق بتلك المدرسة.

فما كان من الراهبة إلا أن نسجت قصة محكمة عن تورط الأب في جريمة تحرش بالأطفال داخل المدرسة دون أية أدلة مادية تثبت صدق تصورها! وكيف لا؟!

أليس هذا الأب المنفتح المتحرر الذي لا تروقها تصرفاته، لا يقلم أظافره ويضع كثير من السكر في فنجان الشاي، ولا يجد غضاضة في أن يضع أغنية “علمانية” عن شخص ملحد يؤمن بالسحر مع الأغاني الدينية والتراتيل ضمن برنامج الاحتفال بأعياد الميلاد، ويلقي العظات ذات الأفكار المتحررة، ويتباسط في تعامله مع الطلاب، ويحتضن ذلك الطفل الزنجي ويقربه منه ويعامله معاملة حسنة؟!

لم تلتفت إلى الأسباب التي دفعت الأب فيلين أن يولي ذلك الصبي عناية خاصة، رغم تلك المحادثة التي تمت بينها وبين والدة الطفل التي استدعتها لتخبرها أن الأب يتحرش بابنها وقصت لها الأم معاناة الصبي ومشكلاته الأسرية والاجتماعية، فوالده دائم الضرب له، معزول اجتماعيًا بين زملائه لكونه أسود البشرة ما يعكس الأزمة الاجتماعية والسياسية التي عمت المجتمع الأمريكي وقتذاك، وكل ما يريده هذا الطفل شخص يكترث لأمره يحبه ويشجعه وإلا انهار مستقبله تمامًا، هذا الشخص وجده في الأب فيلين الذي ترفق لحاله واحتضن معاناته وبات موضع ثقته.

ورغم كل محاولاتها المستميتة لإقناع الأم بالعلاقة غير البريئة التي تتصورها لم تصدق الأم ادعاءاتها ولا تعتني إلا بمستقبل طفلها التي تجاهلته الراهبة فقط لتثبت اتهاماتها. هنا هبت رياح قوية كادت أن تثني الراهبة، واستخدام رمزية الرياح في الفيلم كان غاية في الإبداع؛ إذ اعترفت الراهبة في أكثر من مشهد لها بأن الرياح قد تغيرت وأن رياح اليوم مختلفة تمامًا عن رياح الأمس.

“لماذا أنتِ واثقة من أنه يكذب؟! أنتِ لا تحبينه وحسب، لا يروق لكِ أنه يستعمل قلم حبر، لا يروق لكِ أنه يتناول ثلاثة مكعبات سكر في الشاي، لا يروق لكِ لأنه يحب أغنية رجل الجليد، تسمحين أن يقنعك ذلك بشيء شديد الفظاعة، أنا أحب أغنية رجل الجليد، وسيكون أمرًا لطيفًا ألا تدار هذه المدرسة كالسجون، وإنه لأمر حميد أني أحب تدريس التاريخ، وأني قد ألهم طلابي لمحبته أيضًا، وإن أوحى لكِ ذلك أني لا أصلح كمعلمة فليكن! الطلاب جميعهم تبدو عليهم السعادة لكنهم في الواقع يخافونك”. الراهبة الشابة جايمس تخاطب الناظرة الراهبة أوليسيس

ثورة الشباب في وجه الاستبداد

لم تتوانَ أوليسيس عن توجيه اتهاماتها مباشرة له، ومع نفيه البات لاتهامها الشنيع ورفضه لمحاولتها تدمير سمعته وتشويهه، اقتنعت الراهبة الشابة جايمس بتفسير الأب وأرادت إنهاء الموقف.

إذ جسدت طوال الفيلم تلك الشخصية المذبذبة المتأرجحة بين طرفي النقيض – شخصيتي الأب والناظرة– وكأنها مثلت ميدان التنافس بين أفكارهما، وأيّ منها سوف تنتصر وتسود في شخص جايمس التي تارة تحاول تطبيق النظام الصارم على طريقة أوليسيس، وتارة تستهويها بذور التمرد والحرية؛ فتثور على زيف أوليسيس ونفاقها وتصارحها بأن الطلاب يمقتونها في داخلهم، وأنها تحب الاستماع للأغنية العلمانية عن الملحد المؤمن بالسحر، وأن نفسها تتوق للحرية، وأنها تصدق الأب فيلين الذي أخبرها أنها طيبة وإنسانية وأن قوى التعصب والاستبداد تحاول إقناعها بأن مشاعر كالطيبة والرحمة والمحبة من قبيل الضعف على الرغم من أن رسالة المُخلِّص والمنقذ لهم السيد المسيح عليه السلام هي المحبة بين الناس جميعًا، وأن الناظرة تحاول العودة بالمدرسة للعصور الوسطى التي شهدت استبداد الكنيسة الكاثوليكية وانحرافها عن المسار الديني؛ مما أدى إلى ظهور حركة البروتستانت الدينية الثورية الرافضة لكل سلوك رجال الكهنوت وتحكمهم في الناس وتدخلهم في الحياة السياسية.

وثارت تلك المسألة التي ستظل مثار جدل واسع على مدى العصور والأزمنة، وهي العلاقة شديدة الحساسية بين السلطتين الدينية والزمنية، وفض الاشتباك بينهما بما لا يمس بحرية الأفراد، ولا يطمس الدين من المجال العام.

بل وتذهب الراهبة الشابة جايمس لأكثر من ذلك أن تثق من براءته وصدق نواياه تجاه الطفل الزنجي، بل ويؤلمها ضميرها لحد عدم قدرتها على النوم لأنها هي التي تسببت في إثارة هذا الاتهام فيغلب عليها إيمانها بالتحرر ونبذ الشر. الراهبة أوليسيس التي تحارب بكل عنف وتبذل جهد ضخم لإدانة الأب بدلًا من أن تبذل جهدًا مماثلًا لمحاولة الوقوق على الحقيقة – إذا كانت بالفعل الحقيقة أو الطفل يهمونها– تمارس الكذب طوال الوقت وتتحدى الأب وتحاول إجباره على ترك الإبرشية ومن ثم المدرسة.

“لن أسمح لها بأن تعيد هذه الإبرشية إلى عصور الظلام! ولن أدعها تحطم روحي الطيبة”. الأب فيلين
“ثمة أناس يستغلون طيبتك يا أختاه، يخبرونك بأن النور الذي في قلبك هو ضعف.. لا تصدقي ذلك. ذلك أسلوب قديم يسلكه القساة لقتل الطيبة باسم الفضيلة، ما من عيب في الحب، هل نسيتِ رسالة مُخلِّصنا؟! ألا وهي محبة الناس”. الأب فيلين مخاطبًا الراهبة الشابة جايمس

رياح التعصب تجرف رياح التحرر بعيدًا.. إلى حين!

في تلك المواجهة بينهما يسألها الأب فيلين هل ارتكبت في حياتها إثمًا من قبل، فاعترفت أنها ارتكبت إثمًا كبيرًا لكنها اعترفت به، أخبرها أنه ارتكب إثمًا أيضًا في الماضي واعترف به لكاهنه، قال لها إنها مثله وأنهما متشابهان، لكنها رفضت الاعتراف بأنها إنسانة مثله ولكل إنسان أخطاؤه وآثامه، هي ترفض فكرة أنها مثل كل الناس وأنها كراهبة مختلفة عنهم.

الأب الذي يملك من الأسرار التي ائتمنه الصبي عليها عن حياته الخاصة ما يمنعه من دخول الحرب والدفاع عن نفسه، وآثر أن تجرفه رياح التعصب بعيدًا، إلا أنه في عظته الأخيرة قبل أن يرحل أكد على أن الرياح من الممكن أن تغير مسار الإنسان لكنها تذهب به إلى مكان أفضل.

انتقل الأب فيلين ليكن قسًا ومسئولًا عن مدرسة راهبات أخرى وترقية أعلى، فانتصر بذلك لمبادئه وهزمت أمامه الراهبة التي اعترفت لجايمس، وقد بدا الإحمرار يحيط بعينيها الساهدة أنها في طريقها لإدانة الأب ابتعدت عن طريق الرب وأنها يساورها شك.

“لا أحب إلقاء كلمات الوداع، ولكن ثمة ريح وراء كل واحد منا توجهنا خلال حياتنا، لا نراها أبدًا، لا نستطيع تسخيرها، حتى أننا نجهل هدفها. كنت لأبقى معكم لفترة أطول ولكن تلك الريح تدفعني بعيدًا، سأشتاق لهذا المكان، سأشتاق إليكم، ولكني راضيًا بأن القوة التي تدفعني تفعل ذلك بمعرفة واسعة إلى ما هو أفضل، ذلك هو اعتقادي”. الأب فيلين في وداعه قبل رحيله عن الإبرشية

في النهاية رياح التغيير تنتصر

“في ملاحقة الخطيئة قد نبعد خطوات عن طريق الرب. أخت جايمس.. تساورني شكوك، تساورني تلك الشكوك”. الراهبة أوليسيس تعترف للراهبة جايمس في مشهد النهاية

وبذلك وضعنا الفيلم في نهاية مفتوحة انتصرت فيها رياح التغيير والحرية وإن نجحت ظاهريًا رياح التعصب في إقصاء الأب عن إبرشيتها، إلا أنها بدأت تشك وتعيد التفكير بكل الأفكار الجامدة التي آمنت بها، وسعت بكل جهدها للتشبث بها، وحاربت حربًا غير شريفة في سبيلها، وانتهت بهزيمتها النكراء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد