أولا ما هو العقل البائد؟ وما هو العقل الحاضر؟

العقلُ البائدُ: هو الأفكار والمعارف، والمعلومات، والقيم البالية، التي تنبعُ من ثلاثة مصادر أساسية: الدين والعلم والعرف المجتمعي. أو قل هو التأويلات والفهم الخاطئ للدين، والخرافات باسم العلم، وخزعبلات العادات و التقاليد.

أما العقل المتحضر: فهو كل الأفكار، والمعارف، والمعلومات، والقيم الحضارية، المأخوذة من الدين والعلم والعرف؛ وهي عبارة عن مزيج من الأفكار الحيّة المتشكلة من هذه المصادر الأساسية.

   ثانياً: من هو صاحب العقل البائد؟ ومن هو صاحب العقل المتحضر؟

صاحب العقل البائد: هو الناظر بمنظار الفكر والفهم البائد، هو الشخص المفسر لأموره وشؤون عصره بقيم بالية تليدة؛ هو العائش تأويلات وتفسيرات غيره زاهدًا في استعمال ما ميزه به الله عن بقية كائناته.

صاحب العقل المتحضر: هو الشخص الناظر بمنظار الحضارة، المتكلف عناء البحث عن الحقيقة المتمرد على الأفكار العقيمة، المستعمل لما وهبه الله من مميزات، العارف لقضايا وهموم عصره، الناظر لما يمتلك من قوة، المنطلق من إمكاناته، المبادر المنتج الصاخب بأعلى صوته ها أنا ذا.

 بدايةً لنا اسمٌ واحد – إنسان – إذا يقول المولى عز وجلّ في هذا (خلق الإنسان من علق) ويقول تعالى (ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون) الروم الآية 20. خاطبنا الرب باسم واحدٍ، وبلفظٍ واحدٍ، وبدلالةٍ واحدةٍ، وبرمزية واحدةٍ، نحن فقط من أردنا التقسيم والتصنيف لينشأ؛ التنزيل والتحقير والتقليل في الشأن والمكانةِ، ولتبدأ فترة اختلاف المعادن -معادن الإنسان- فهذا من معدنٍ ثمينٍ -الرجل- وهذا من معدنٍ بخسٍ -المرأة- ونتعمقُ بتفنن في إيذاء وحط بعضنا البعض مع أننا كائن واحد له نفس المكونات المادية، والمعنوية، وله نفس الهواجس، والتطلعات، وفي اليوم الآخر سنأتي ونحاسب فرادى.

يقولون إنّ الإنسانَ ابنُ بيئته هو صحيح كذلك؛ لكن هذه العبارة ليست بإطلاق هكذا. سيقول القائل لماذا؟ سنقولُ له بالمثل يتضح المقال: لنفترض أن إنسانًا ما ولد في بيئة قاتلة، فهذه البيئة كلما مات زوج من الأزواج دفنت معه زوجته حيّة؛ السؤال هل على الإنسان في هذه الحالة أن يكون ابن بيئته، ويرضى بما ترتكبه بيئته وينفذه؟ المؤكد أن المثل قد أوصل صورة ما.

 وهذا المثل المضروب نسقطه على المرأة بين الفهم والعقل الماضي، والفهم والعقل الحاضر؛ ولكن لنكن منصفين في حق المرأة بصفة عامة فالإنصاف عدالة، والعدالة سمة إنسانية راقية فليس كل النساء تنطبق عليهم القاعدة، ويسري عليهم المثال؛ فهناك المرأة الأبية ذات الفطرة السليمة الحنيفة تأبى أن تنحني لجرم وظلم المحيط لها وتأبى الدنيّة في حقها وحريتها -الحرية هنا بمعناها الأصيل-  بيد أن هناك في التلة المجاورة الأخت القابعة بين أنياب العقل البائد ينهشها كيف يشاء ومتى يشاء، ويخدرها بسمومه القاتلة لتعيش في رحاب ناموسه ومن لها سلطة عليه يأتي من بعدها.

 وجود المرأة المتمردة على العقل البائد، لا يفند أن للعقل البائد الغُرفة الكبرى مما تعانيه وتكابده المرأة؛ مذ الأزل وإلى عصرنا هذا؛ لكن هذا أيضًا لا ينفي بالمرة ضلوع المرأة ومشاركتها في ما تعانيه من جرم وقع في حقها فهي عندما تسكت عن حقوقها وترضى بسلب حريتها هنا ينطبق عليها المثال المضروب آنفًا، وهنا تكون المرأة مشاركة في عملية السطو على أهم ما تمتلك وهو: حريتها وكرامتها.

عندما تجد أكثر النساء وللأسف يقلن وبملء أفواههن؛ وبكل عنفوان ولطف عن ما يقع في حقهن، هذه شريعتي، وهذا نصيبي وزيادة، ومكانتي بإجلالٍ؛ هنا تدرك مدى فاعلية العقل البائد فيهم وكيف جعلهم يعيشون في هذا السبات العميق وفي هذا الليل الأليل!

عندما تجد المرأة إلى يومنا هذا ما زالت تعتقد أن صوتها عورة، وأن خروجها عبث، ومزاحمة ومشاركة في غير محلها؛ لأنها قد زاحمت وشاركت من هو أرقى منها نوعًا على سلم الأنواع التفاضلي، ستدرك مدى تجذر العقل البائد في نسائنا.

عندما تجد المرأة إلى حيننا هذا ما زالت لم تأخذ قرار طلب العلم و ولوج المدارس، بحجة مقنعة؛ أنها امرأة والمرأة لم تأتِ لهذه الدنية إلا لبيتها الذي لا يليهِ إلا قبرها، هنا تتوقف وتقول: لماذا سمحت لك عزتك بتصديق هكذا ترهات؟! وأين عقلك في هذه اللحظات؟

عندما تجد المرأة إلى لحظتنا هذه، وساعتنا هذه، ما زالت بعقليةٍ بائدةٍ صلدةٍ تجعل المسافات والفروق بين العلم الشرعي، والعلم الدنيوي فالأول: مباح والثاني: حرام؛ إلا أن القعود بالبيت قد شغلها عن تحصيل الأول، والكارثة أيضا أنها ما زالت تعيش بالأبيات التالية وتحفظها عن ظهر قلبٍ:

 (كلُّ العلومِ سوى القرآن منقصةٌ إلا الحديث وعلم الفقه في الدين، العلم من قال حدثنا وما سوى ذلك وسواس الشياطين).

عندما تجد المرأة إلى يومنا هذا، ما زالت لا تفرق بين علم الكيمياء، والخيمياء، ولا يأتيها الشك من أن الأولى خيمياء لا ريب تدرك مدى تحكم العقل البائد بالمرأة المسكينة.

عندما تجد المرأة متخلية حالمة في حقوقها، وحريتها لماذا؟ لأن الرجل قال لها: هذا ما قاله فُلان في كتاب كذا ناسية أنها مكلفة كفرد بمعرفة مالها وما عليها وناسية أن المؤلف فُلان وليست فلانة، والمنطق الظالم لا ينصف إلا الحاضر الماثل، هل يعقل؟

كما قلنا بادئ الأمر أن النساء لسن سواسية؛ ففيهنَّ الراضيّة بالدنيّةِ، وفيهنَّ الأبية صاحبة الفطرة النقية الساعية لاسترجاع هذه النقاوة، وأن وضع كل النساء في سلة واحدة ظلم وبعد عن الموضوعية. صحيح أن أكثر النساء بهن يتحكم العقل البائد؛ إلا أن هناك من هنَّ آثرن التمرد على هذا العقل المتحجر البائد الذي يؤخر ولا يقدم هن القلائل صحيح؛ لكن هل الصفاء والنقاء دليلًا له الكثرة؟ لا ما هكذا قال: التاريخ وما هكذا قال: وحي السماء، وما هكذا قالت الوقائع والأحداث البشرية. بل لطالما رافقت القلة الصفوة والحكمة، وذُمّت الكثرة قال تعالى: (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون) الحجرات الآية 4 وقال تعالى: (قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون) العنكبوت الآية 63.

  المرأة التي عليها المعول، والمرأة التي خطت هذه الأنامل من أجلها هذه العبارات القاصرة؛ هي -امرأة العقل الحاضر المتحضر- هي التي ترد وتقول لأفكار بالية كهذه: وعيي وإدراكي لا يسمحان لي بأن تستمر الأمور كما كانت وسأرفع صوتي لتعود فطرتي النقيةِ، سأتمرد حتى الثمالة على كل قيم الحجب والبلادة، ولن أنحني إلا للقيم الرافعة الصافية، وسأطلب العلم من المهدي إلى اللحد، وحسب في ذلك خطاب سماويُّ قال: (اقرأ). اقرأ الجامعة التي فُرضتْ على كلّ إنسانٍ -إنسان هذه الكلمة التي يندرج تحتها الرجل والمرأة سيان- .

 امرأة العقل الحاضر المتحضر: هي التي تستشعر بهذا الواقع المزري التليد كتلادتها وتسعى لأن تنتزع حقوقها بنفسها؛ لا أن تنتظر من الغير أن يعطيها حقها كما فعلن صويحبات الفهم البائد وعشنا في ظلامه الدامس.

امرأة العقل الحاضر: هي التي تخرج لتساعد في نهضة مجتمعها وتقدمّه؛ لأنها تعرف وتعي ما وراء المثل الشعبي القائل: يدٌ واحدةٌ لا تُسفق… وهو الترجمة لحديث الرسول عليه الصلاة والسلام (النساءُ شقائق الرجال) وبالتالي هي اليد الثانية التي يحتاجها المجتمع لينهض، ولا تتم نهضة إلا بمشاركتها وهي التي تخرج لتصبح مربية ناجحة، ودكتورة متحكمة ومهندسة مشيدة، هي التي تعرف أن التفاضل ميزانه التقوى لا النوع لذا هي تخرج للتفاضل.

تتميز امرأة العقل الحاضر بالتريث في الأخذ والعطاء؛ فهي لا تأخذ إلا عن دراية، ولا تعطي إلا عن دراية، ولا تصدق ببساطة، بل تستعمل ما أعطاها الله من إمكانيات كغيرها لتصل لعين الحقيقة وتدرك جيدًا مآلات الأمور؛ إذا اختارت الإملاء والتقليد وعقلية الموجود أفضل مما هو مستور.

امرأة العقل الحاضر، هي التي تبصر بعين مبصرة لصحيح التراث، وبعين مدركة لحاضرها، ومستجداته ومتغيراته ومتطلباته امرأة؛ واعية عارفة لحقوقها عاشقة لحريتها مدافعة عنها بكل ما أوتيت من قوة.

ببساطة البُسطاء سنختم حديثنا الكتابي ببساطة. أن المرأة كالرجل قد يقعان ضحايا للعقل البائد؛ إذ أوكلوا هذه المهمة التي على قدر كبير من الأهميّة والدقة والحساسية في حياتهم لغيرهم، وهي مهمة -التفكير – إلا أن الحق يقال: أن المرأة ظُلمت كثيرًا، وفي شتى المجالات، وعبر مختلف العصور وفي عديد الأديان، وما زالت تظلم إلا زمننا هذا من مجتمعاتها أو من نفسها؛ عندما ترضى بقيم تنزلها عن المكانة التي خلقت لها. أختي الأبيّة ليس أمامك إلا النفور لأخذ حقّكِ كاملًا غير ناقصٍ، ولن يكون ذلك إلا بأسبابه، ووسائله السديدة، ومن أهمها الوعي؛ الذي يعني امتلاك الفكر الحي الذي بدوره ينتشلكِ من براثن البدائية ويحرّرك من كل أشكال القيود.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!