لا شك أن النهج الذي اتبعه النظام الإيراني مستخدمًا السوط والترهيب باسم الدين ليس ببعيد كثيرًا عن الأساليب التي يستخدمها كل مدع للدين؛ لذلك هو ما انتهجته طالبان أيضًا أثناء فترة حكمها في أفغانستان ولكنها أضافت إليه مزيدًا من العنف والدماء حتى لا يمحى من ذاكرة من عايشوه، حيث اتفق كلا النظامين في كون السياسة هي الهدف الأول الذي وضعوه نصب أعينهم أثناء رفعهم لراية الدين وجمع الأغلبية خلفها  فيتبعها الجاهل خوفًا من الله دون علم، والمتشدد تقربًا لله كما يظن، أما الفئة المتبقية فيتم إخضاعها حيث تضطر إلى الانسياق خلفهم وسوط الترهيب والعقاب مسلط على رقابهم وهي الفئة التي عادة ما تتكون من المعتدلين والمعارضين مصدر قلق كل متعصب وسياسي، ولكن ولأن الانسياق والخوف يزولان بالتدريج بزوال مصدر الخوف؛ استخدمت طالبان إلى جانب الترهيب وبخلاف النظام الإيراني سلاح الإقناع لضمان الولاء وخلود الأفكار.

وباعتبار أيضًا أن إقناع الجاهل هو المهمة الأسهل تعمدت طالبان إشاعة الجهل وزيادة الخواء الفكري ولا سيما بين النساء بما يمكنهم من ملء ذلك الفراغ بأفكارهم وبما يضمن أيضًا السيطرة الدائمة دون معارضة، وهو ما نجحت به بالفعل فعلى الرغم من انتهاء حكمهم الرسمي على البلاد وانحسار تواجدهم بشكل كبير بعد احتلال أمريكا لأفغانستان بدعوى محاربتهم، إلا أن غالبية أفكارهم هي السائدة اليوم ويخطئ من يظن أنهم غابوا، حيث ينفذها الكثير من الأفغان بأنفسهم قناعة منهم لا خوفًا، فقد كانت الحالة التي عاشوها لسنوات من مشاهد دائمة للعنف حتى تشبعوا بها والرعب الذي يعتريهم من العقاب المنتظر ليس بالشيء الذي يسهل تغييره ونسيانه، لترسم لنا في ظل تلك النظريات النموذج الأسوأ على الإطلاق في اضطهاد المرأة واستعبادها من أجل تطبيق الدين الزائف أثناء فترة حكمها ومن ثم حكم أفكارها من بعدها، لنجد أن المرأة الإيرانية التي تعاني من الظلم في بلادها باتت في وضع تحسد عليه من المرأة الأفغانية التي تناضل يوميًا من أجل كرامتها وآدميتها ومحو آثار طالبان من عقول شعبها.

النساء في عهدهم المظلم

فالمرأة في أفغانستان والتي كانت لها يومًا حق الانتخاب في العشرينيات والستينيات وتفوقت على الرجال بنسبة 15% في الهيئة التشريعية العليا، وكانت تمثل في أوائل التسعينيات ما يعادل 70% من معلمي المدارس، و 50% من موظفي الحكومة وطلاب الجامعات، و 40% من الأطباء، لم تعد هي ذات المرأة المحطمة التي عاشت من بعد منتصف التسعينيات وحتى اليوم، وبالتحديد عام 1996 منذ وصول طالبان لسدة الحكم رسميًا حيث استغلت حالة الحرب الأهلية وميل الناس إلى الاستقرار فجاءت بزعم نشر تعاليم الإسلام الصحيحة ودحر الانحلال الأخلاقي الذي تفشى في المجتمع من وجهة نظرهم وكما ترائى لهم لا كما يشير الواقع.

لتصبح منذ ذلك الحين حالات انتحار النساء حرقًا بشكل يومي أمرًا اعتادت الآذان سماعه والعقول استيعابه مقارنة بحجم ما تعانيه فقد كان ذلك الأمر هو المهرب الوحيد لها من هول ما تلاقيه، وكانت أولى قرارات طالبان في البلاد هي تعميم البرقع على جميع النساء (وهو عباءة تغطي جسم المرأة من الرأس وحتى القدم بما في ذلك الوجه)، وذلك لاعتبارهم أن وجه المرأة مدعاة لفساد الرجل ومن تخالف ذلك تعاقب بالجلد أو الإعدام وهو ما كان يتم في الساحات والملاعب أمام الجميع للعبرة وبث الرعب في نفوس الأخريات، كما حدث في ديسمبر عام 1996 حينما عوقبت 225 امرأة في كابل بالجَلد لمخالفة قانون الملبس وأعدمت الطبيبة رجاء بشدي لرفضها ارتداء البرقع وتمسكها بحجابها الشرعي بكشف الوجه والتي تم إعدامها بدفنها حية أولاً وترك رأسها بالخارج لإطلاق النار عليه بعد ذلك.

ولم تكن العقوبات تطال المرأة وحدها بل تطال المحيطين بها من زوج أو أهل وذلك للضغط عليها في حال تحدت النظام، فعلى سبيل المثال إذا استقلت المرأة سيارة الأجرة برفقة زوجها أو أي من محارمها (حيث كان يُمنع عليها الخروج دون محرم لها) وكشفت غطاء وجهها يتم عقابها وعقاب زوجها وسائق الأجرة لسماحه بذلك في سيارته، وبالتالي عزز ذلك من سلطة الجميع على أي امرأة حتى وإن كانوا غرباء خوفًا من العقاب بسببها مما رسخ في أذهان  الغالبية العظمى من الرجال أحقيتهم في معاقبة المرأة بالوسيلة التي يجدونها مناسبة دون اعتبار لكرامتها الإنسانية.

كما منعت طالبان تمامًا تعليم الفتيات بعد سن الثامنة حتى وإن كان ذلك بالمنزل حيث تم حرق أكثر من 20 مدرسة للفتيات من مارس (آذار) حتى أكتوبر (تشرين الأول) 2010 في مناطق يسيطر عليها رجال طالبان، وشجعوا على زواج القاصرات تحت سن السادسة عشرة حتى باتت 80% من حالات الزواج آنذاك من أطفال، وهو الذي كان يتم تحت غطاء الدين والكثير من المبررات ونصوص التأييد التي استخدموها عن جهل وبما يمكنهم في نهاية المطاف من الوصول إلى غاياتهم.

وبالإضافة إلى ذلك لم يكن يُسمح للمرأة بأن يتم تصويرها فوتوغرافيًا أو سينمائيًا لأي سبب أو ظرف لتحريمهم الصور والتصوير، كما تم منع عمل المرأة حتى لا يكثر خروجها من بيتها إلا في أضيق الحدود والتي يقرها النظام ويسمح بها كالطب أو تعليم الفتيات الصغار، وهو القانون على وجه التحديد الذي أدى إلى تدهور وضع أكثر من 50 ألف أسرة فقدت عائلها الوحيد حيث اضطرت النساء كي توفر طعام أبنائها أن تبيع ممتلكاتها، كما قامت الكثيرات منهن بالاستجداء في الشوارع بل وفعل ماهو أكثر من ذلك نتيجة تضييق الخناق عليها تفاديًا لموت أطفالها جوعًا وهو الأمر الذي يفضح تدين طالبان الوهمي حيث أغلقت كافة أبواب الحلال حتى اتجهوا مرغمين إلى الحرام.

ذلك التدين الذي يحرم وجه المرأة وعملها ويبيح ويحلل قتلها وإهانتها، وهو التدين الذي يعطي الحق لأي رجل من حراس النظام أن يضرب من يجدها مخالفة في الشارع لأي من المحظورات السابقة، وإن اعترضت يطلق النار عليها بدم بارد ما دام ينفذ القانون الذي لم يترك حتى صغائر الأمور كارتداء حذاء ذي كعب عال أو وضع طلاء أظافر إلا وشرّع لها عقوبة يذهل لها كل ذي عقل، وهو ما حدث في أكتوبر 1996 حيث تمت معاقبة امرأة بقطع إصبعها لخروجها إلى الشارع بطلاء الأظافر وفي حال تم تخفيف تلك العقوبة يتم نزع الأظافر فقط، وهو التدين أيضًا الذي يرجم المرأة إن وقفت لدقائق مع أحد جيرانها الرجال أو أقاربها من غير الدرجة الأولى دون الأخذ بالأسباب ويبيح العنف المنزلي لأقصى درجاته، بالإضافة إلى عدم السماح للأطباء الرجال بالكشف الطبي على النساء حتى في الحالات الحرجة فأُهملت الرعاية الطبية للمرأة تمامًا وأصبح من بين كل 100 امرأة تموت 16 أثناء عملية الولادة، حيث لا ضرر من أن تموت المرأة ما دامت التعليمات والأوامر تسري وتُنفذ متناسين بذلك قول القرآن الذي يدّعون فهمه أن من أحيا نفسًا فكأنما أحيا الناس جميعًا.

وعلى الرغم من الآمال الكبرى التي علقوها على انتهاء حكم طالبان إلا أن تلك الآمال ما لبثت أن تهاوت سريعًا بعد فترة من انحسار تواجدهم في أغلب المدن بالبلاد وإدراك الجميع بقاء أفكارهم بينهم ونظرتهم الدونية للمرأة التي أصبحت جزءًا من الثقافة المحلية وخاصة في المناطق التي تنتشر بها الأمية حيث تجاوزت نسبة الأمية في أفغانستان 63.7 % حتى عام 2015، ولم يشهد وضع المرأة سوى تحسن طفيف في الحقوق الأساسية كالتعليم وفرص العمل فأصبح عدد الفتيات في المدارس الابتدائية 3 مليون بعد أن كان لا يتجاوز 5 آلاف، وعادت المرأة لبعض مجالات عملها التي حُرمت منها أثناء حكم طالبان، ولكن وفي مقابل ذلك وبالتزامن معه سجلت جرائم العنف ضد المرأة مستويات قياسية في عام 2013 حيث لم يعتد الناس بعد على اعتبار تعنيف المرأة وإهانتها جريمة وأمرًا مشين فقد ازدادت عن المعتاد بنسبة 25%، كما ازدادت وحشية حيث تعمُد أغلب تلك الجرائم إلى تشويه الوجه الذي يكون من قبل الزوج أو الأهل مثل قطع الأنف أو الأذن أو الشفاه.

وهو ما أدى بدوره إلى ارتفاع معدلات الانتحار مرة أخرى لعدم وجود قانون يجرم العنف ضد المرأة وفشل الحكومة مرارًا في إقراره بسبب رفض الأغلبية في البرلمان له تحت مبرر انتفاء بعض مواد القانون مع الشريعة الإسلامية، فرفضوا تجريم الزواج تحت سن السادسة عشر أو السماح بوجود ملاجئ لضحايا العنف الأسري بتصريح رسمي في الوقت الذي عارضوا وبشدة خفض عدد الزوجات المسموح به إلى اثنتين بدلاً من أربع حرصًا منهم على أبسط حقوقهم وعدم التنازل عنها ضاربين بكافة حقوق المرأة التي يقرها الدين أيضًا عرض الحائط، ولم يثنهم عن موقفهم ذلك أي من الأرقام السنوية المفزعة التي تسجلها وزارة المرأة – الوزارة التي تأخذ دور الشاهد والمتفرج فقط – مثل وجود أربع آلاف حادثة عنف في عام 2015 وحده وخاصة ضد من تطلب أي حق لها كالميراث الذي يعد مطالبة المرأة به وصمة عار بالرغم من اتفاقه مع الشريعة، أو حادثة تعرض ثلاث فتيات للرش بأحماض حارقة أثناء ذهابهن إلى المدرسة في إقليم هيرات العام الجاري، وقتل أربعة من نساء الشرطة في الأشهر الماضية واغتيال رئيسة شؤون المرأة في شرق أفغانستان العام الماضي بزرع قنبلة في سيارتها وإطلاق النار على خليفتها في المنصب وقتلها، حيث فضلوا رغم ذلك حمايتهم للشرع ونصوصه كما يزعمون على حماية المرأة على أرض الواقع وحفظ كرامتها وحقن دمائها معتقدين بذلك أنهم ما زالوا لا يشبهون طالبان.

وبالتالي ومن خلال ممارسات تلك النماذج وغيرها لا يمكن اعتبار أن إشكالية وجودهم تكمن فقط في تمكنهم من الوصول إلى الحكم والبقاء فيه لسنوات، رغم أن ذلك يحفز آخرين غيرهم حتى ولو بعد حين لأن يسلكوا نفس السبل حتى تصل بهم إلى نفس النتائج المضمونة التي نجحت من وجهة نظرهم بالسيطرة والوصول لأهدافها وبالتالي يمكن تكرار ذلك النجاح ولفت انتباه العالم كحد أدنى، وإنما تكمن في عدة أمور يقع على رأسها محاولة أولئك الخلط الدائم بين الدين الذي ينادي بالمحبة والسلام أيًا كان نوع ذلك الدين، والسياسة التي تعتمد أيضًا بشكل دائم على المؤامرات وإراقة الدماء حيث غالبًا ما تحلل ممارسة السياسة ما يحرمه الدين مما يجعلهم في معركة دؤوبة لإلباس السياسة ثوب الدين وهو ما لا يمكن أن يحدث دون أن يسيء له.

بالإضافة إلى التغذية الدائمة للأسباب المؤدية إلى ظهور مثل تلك الجماعات ومصادر أفكارها حيث تتم محاربتهم وانتقادهم فقط بعد أن يتشكلوا وتتجمع قواهم دون محاولة حقيقية للقضاء على الأسباب في بدايتها، والتي منها التعصب الديني والطائفي والخلاف بين الفقهاء حول أبسط التفاصيل، بالإضافة إلى الجهل الذي يتعمد الحكام إفشاؤه في مجتمعاتهم حتى أصبح الناس بين طرفين إما التشدد أو الجهل وكلاهما أدى في النهاية إلى نفس النتيجة من عدم احترام الدين وقدسيته ليتجرأ عليه كل صاحب غاية واتخاذ مكان الرب وإصدار الأحكام على الناس واختيار من يحيا ومن يُقتل، والتعليم ومناهج التربية والقواعد الاجتماعية التي تقلل من شأن المرأة وتعتبرها مصدرًا لأغلب الأخطاء وكائنًا لا يكتمل سوى بسيطرة الرجل ومراقبته حتى أصبحت نقطة ضعف المجتمع التي يصب عليها أمراضه ومشاكله والفريسة الأولى لكل متجبر وأصبح أمر مطالبتها بحقوقها تمرد وخروج عن الدين في الوقت الذي جعلت الكثير من الدول من عاداتها وتقاليدها دينًا في حد ذاته، لتبقى تلك الجماعات في النهاية ببقاء مسبباتها التي نقف أمامها مراقبين دون تحريك ساكن للتخلص منها إما للاستهانة بها وإهمالها حتى وقوع الأزمة أو لتوافق المصالح مع نتائجها المحتملة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد