«الحق هو الكامل». هيجل

«في ذلك المقال؛ لا نزعم الكمال ولا ندّعي الحق المحض، بل عرضًا لفكرةٍ آمنا بها، ودفع عن تراثٍ قيّمٍ يحب أن يُحترم، وإحقاقـًا لحق أمة».

حينما يمسك المرء اليراع ليكتب في موضوع ذي بال فإنه يحتاج من دقة الكلمات وصفاء العبارات ما يشعره أن البيان رقيق بين يديه، ويوقن أن دروب الكلام رهن يمينه.

وإنه مع هذا يحتاج أن يكون ذا أفق رحب ونظر ثاقب ونقد بناء وحكمة راسخة وحجة بالغة فيما يقع من حوله؛ فالدنيا كل يوم في اختلاف وليس اليوم يشبه البارحة.

فليت الاختلاف قد طغى على صغائر الأمور في وقتنا الحاضر فحسب، بل إنه اندفع إلى أصول الأمور وثوابتها، وأصبح التحلل من القديم غاية مرجوة، ومحاربة التراث شيئًا عظيمًا وعملًا مطلوبًا، لو لم يدركه من أراده لعد نفسه من ذوي العاهات؛ لأنه لم يستطع التخلي عن الشيء القليل من القديم.

وكأن القديم قد دخل في كل شيء، حتى إنك لتستمع في تلك الآونة إلى من تعالت صيحاتهم بالتخلي عن الخلال والعيش بحرية دونما النظر إلى مجتمع أو عرف أو إنسانية.

ولله در شوقي لما تحدث عن هؤلاء محذرًا:

لا تحذ حذو عصابة مفتونة                  يجدون كل قديم شيئًا منكرًا

ولو استطاعوا في المجامع أنكروا         من مات من آبائهم أو عمرا

كأن الأخلاق التي تقوم عليها الأمم ورهن بقائها قد أصبحت من القديم الواجب مواراة سوأته في التراب والتخلي عنه بكل يسر حتى تدخل الأمم إلى التقدم من أرحب الأبواب!

وقد تناسى هؤلاء أو نسوا قول شوقي -رحمه الله-:

فإنما الأمم الأخلاق ما بقيت      فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا

ولا ريب أن من يقول ذلك قد تخلى عن دينه، ونأى عن عروبته ونهل من معين عدوه وحاد عن الصراط المستقيم وابتعد عن الصواب.

وإنك حينما تتحسس مواطن الضعف في هذه الأمة تجد أن من تعالت أصواتهم بالتخلي عن القديم جعلوا ذلك في إطار أوحد لا يبرحونه ولا يفتؤون إلا أن يكون حظيرة الأخلاق والأعراف والقيم!

لكنك حينما تأتي لتتحدث عن التقدم المادي الملتمس والواجب أن نحياه؛ وهو أننا يجب أن نطور ما بين أيدينا من المصانع المنتجة حتى نكف عن الاحتياج ممن دوننا، وأن علينا أن نرتفع بشأن الثقافة والعلم كي نكون على بصيرة من أمورنا، وأن نجبر كسور التعليم ونداوي أمراض التاريخ لنعرف الحق من غيره، وألا ننقاد وراء كل ناعق من الغرب كالأنعام فإنهم يموتون غيظـًا من العرب ويشتعلون حنقـًا على حضارتهم؛ تجدهم وقد خفتت أصواتهم وشحبت وجوههم وتراهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت؛ فهم جعلوا ميزان التقدم على أمر أعظم وهو الانحلال، وما بعده تبع له.

جعلوا التملق للكارهين والعداء للخلال الحسنة التي حث عليها كل دين ورغبت فيها كل شرعة؛ ذروة سنام التقدم والنهوض بالأمم، وما أتى بعد ذلك فهو تبع للمتقدم.

وعندما نتحدث عن مواقع الخطر لا نقول إن الخطر يكمن في أفكار هذه الفئة من الخلق بعضهم يؤذي صاحبه فحسب؛ ولكن الخطر الأعظم فيما ينطقون به كل لحظة فتلتقفه الأسماع على جهالة وتراه الأعين في ذهول وتحفظه العقول على خلاء، فذاك هو الخطر.

فربما تنساق أمة من الناس لا يعلم عددهم إلا الله – تعالى – وراء كل ناعق من هؤلاء، يزيد سوادهم يومًا بعد آخر، بل في كل ساعة تلو أختها، وهنا أعظم الخطر.

وإنه لا ينبغي للمرء أن يجلس على أريكته المدبجة ممتلئة بطنه متوسدًا الحرير والإستبرق يأكل أشهى أنواع الطعام ويشرب الفاخر من أصناف الشراب، وهو يرى ذيوع هذا الخطر كما يذيع الطاعون بين الخلائق، ثم لا يبرح مكانه دونما القيام إلى قلمه وكراسته ليسطر وريقة صغيرة في الدفاع عن الدين والأخلاق والعرب يدفعها إلى هؤلاء الذين لا يدخرون جهدًا أن يلحقوا بهما النقيصة مذيلة بالأخرى، أو أن يقوم إلى منبره – كيف كان – ليبين للعامة والخاصة خطأ هؤلاء القوم ويرشدهم إلى سلوك الصراط السوي، أو، أو، أو…

فإن لم يكن للمرء من فنون الأدب مسلك أو من دروب الكلام سبيل فلا حرج أن يكون إنكاره بقلبه حتى يكون قد أدى ما يمكن أن يؤدى.

وإذا نظرت إلى قول النبي -صلى الله عليه وسلم- «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» لعلمت ذلك.

وإنه لمن الخير الوفير للإنسان أن يهلك دون معتقده الذي آمن به أو فكره الذي أخرجه للدنيا أو مبدأه الذي سار به في الحياة -على الحق- فإن ذلك خير له من الرحيل كما ولدته أمه -من الفكر لا من الوزر- ورحم الله الرافعي إذ قال: «إن لم تزد على الدنيا شيئًا كنت أنت زائدًا عليها».

والمرء لا يحتكر الحق والصواب لنفسه، ولكن هذا ما يؤمن به في سريرته وحسّه، فلا يظن ظان أننا أنبياء، أو أن ما عدانا ضلالًا وهباء، فتلك نعوت نافرة عنا كما بين السماء والأرض، فليأخذ المرء حذره حتى لا يجعل من رأيه على الناس فرضًا، وحتى أكون مما أقول بنفس مطمئنة آمنة، سطرت تلك الكلمات التي هي بالتسطير والذكر قامنة، فلا خير فيّ إن لم أذكرها، ولا فضل لي لو لم بقدرها أقدرها.

وإنما يتحتم على المرء حينما يرى ذلك أن يقوم بالذب عن الثغر، حتى ينجلي الأمر، فإما «النصر أو الشهادة»، ودرب الدفاع معلوم لمن أراده، وليعلم قبل السلوك السالك، أنه في هذا منتصر أو هالك، فلا ترده غلاظ العبارات والتوبيخ، حتى يقضي ما عليه أمام الله والتاريخ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد