طال انتظار المسلمين لترجيح كفتهم وٳعلاء كلمتهم، ٲو على الٲقل تخفيف ٳذلالهم، فالمسلمون منذ قرن وهم في حروب وٲزمات متواصلة، احتُلت ٲراضيهم وقُسمَت دولهم، شُردوا وقُتلوا وقُطعت ٲوصالهم، تشتت كلمتهم، كثرت مدارس ٲفكارهم فاختلفوا فيما بينهم، انخفض سقف ٲهدافهم، المسلمون الآن في ٲدنى درجة الذل وتحت ٲقصى درجة الظلم، في هذه الٲثناء يدوّي خبر انعقاد قمة كوالالامبور لدول إسلامية ذات تأثير لبلورة فكرة تحالف إسلامي لقضايا المسلمين والدول الإسلامية، من التنمية والحقوق والديمقراطية وقضية الإسلاموفوبيا وغيرها، ولٲن المسلمين في الوقت الحاضر غارقون في شتى المآزق، فمن الطبيعي ٲن يتمسكوا ولو بقشة، فما بالك لو كان زورق ٳنقاذ، فهل هذه القمة ستكون ذلك الزورق؟

تآلف الشعوب ٲقوی من تحالف الدول

تم الإعلان عن بعض أهداف تلك القمة قبل انعقادها وبعد الٳعلان عن مخرجاتها، ولكن لا نعلم بعد إلى أي مدى ستذهب الدول المشاركة في القمة فيما بينهم، هل ستكون على ٲمثال مجموعة السبع (G7) ٲو الثماني (G8)، لديهم ٲيضًا قمم دورية سنوية وتنسيقات في مستوى عالٍ وٲهداف مشتركة، لكن يبقى تٲثير تلك القمم في دائرة ضيقة، لٲنها بين الدول فقط لا ينزل الٲمر إلى شعوبهم، وهذه نقطة فاصلة، لترقى القمة إلى التحالف، ومنه إلى كومنولث إسلامي، ومنه إلى اتحاد أو تمثيل إسلامي، ينبغي ٲن يتم ٳشراك شعوب الدول المشاركة في الأمر، ويكون للشعوب حيز جيد في هذا التحرك على غرار الاتحاد الٲوروبي، ولهذا الٲمر ٲدواته، وآلياته الثقافية، والاجتماعية، وبالطبع الاقتصادية، أولها شعور شعوبهم برجوع التقارب لهم بالمنفعة، واستفادتهم منه اقتصاديًا، ورفع الظلم والهوان عنهم، ومن ثم توضع آليات للتقارب بين الشعوب المسلمين، وما أحوجنا لهذا التقارب غير البراجماتيكي؛ لٲن التناحر بين المسلمين تجاوز اختلاف الدول والحكومات ووصل إلى الشعوب، وهذه ٲخطر مرحلة انقسام إذ يصعب ترميمها، فكما عداوة الشعوب فيما بينها خطيرة؛ التحالف والتآلف بينها ضروري، فالتٱلف بين الشعوب ينتج تحالفًا ناجحًا بين الدول ويضمن الاستمرارية، بالٲخص في دول منطقتنا حيث الإستراتيجية الوطنية غائبة وتحل محلها مزاجية الحكومات، هناك مستويات من التحالفات، أهونها التحالف بين الحكومات، فبتغيير حكومة ما من حكومات تلك الدول، أو تغيير مزاجها ينفسخ التحالف، الأقوى منها؛ التحالف بين الدول وهو إشراك المؤسسات جميعًا والتحالف الإستراتيجي في شتى المجالات، لكن هذا بدوره غير مستقر تمامًا؛ لأن التحالف بين الدول يتسم بالبراجماتيكية وتقاطع المصالح، فبغياب السبب (المصالح) ينحل التحالف. الأكثر رصانة واستدامة أن يتم إشراك الشعوب؛ إذ تضمن الاستمرارية وتجنب التقلبات، فالتحالف بین الشعوب لیس كما هو بین الدول أن يتم باتفاق، بل يكون بالتقارب بینهم بالٲدوات الثقافیة قبل السیاسیة، باندماجهم مع بعضهم وتقلیل الفجوة بینهم، وفي هذا الٳطار يجب التساوي بین الشعوب، لا ينظر لشعب ما بنظرة دونیة، ولا يتعامل مع آخر بفوقیة.

حقوق الشعوب ٲولی

لضمان نجاح قمة كوالالامبور ولجعلها تحالفًا، يجب ٲن تكون حقوق وحريات الشعوب في قمة الٲولويات والشرط الٲساسي لانضمام أية دولة إليها. يجب أن يتم وضع نظام داخلي حاسم لتحقيق هذه النقطة، فلا مجاملة لأية دولة مهما ثقلت وزنها، إن لم يتحقق فيها شرط حقوق الإنسان والحريات والديمقراطية، لٲنه بالظلم وحده وصل العالم الإسلامي إلى الوضع المزري هذا.

ثارت الشعوب على حكامهم لنفس السبب، تخلفت الدول الإسلامية من وراء نفس النقطة، ففي غياب الحرية تختفي الٲفكار الٳبداعية وتشل قدرة الحركة والإنتاجية، وفي غياب العدالة الاجتماعية يحتقر الشعب حكامه ومن ثم بلده، تُفتح أبواب الفساد الذي بدوره يشل الدول. وقضية الفساد بحد ذاتها ٳعاقة كبيرة لتقدم المجتمعات الإسلامية، وبالتالي يجب أن تكون محل اهتمام بالغ، على الدول المؤسسة لقمة كولالامبور أن يثبتوا مقررات حازمة وحاسمة لتحقيق الحقوق والحريات، بدونها لن تحقق القمة ما يٲمل فيه المجتمعون.

منذ شهور أُعلن أن محاربة ومكافحة إسلاموفوبيا من الأهداف الرئيسة للقمة، لكن لن تستطيع أية قوة تلميع وتصحيح صورة المسلمين إذا كانت الصورة أصلًا مشوهة والحريات غائبة والحقوق مسلوبة. الدول الأوروبية والغربية في الوقت الحالي قدوة للشعوب الإسلامية ليس لأنهم عكفوا على تجميل صورهم عند شعوبنا؛ بل إنهم قدموا تجربة جميلة لحكم شعوبهم جعلنا نرى صورهم بأبهى حالة. فمنطلق الحركات الإسلاموفوبيا أيضًا يأتي من حال الشعوب والدول الإسلامية من التخلف العلمي، والتكنولوجي، ودكتاتوريات الحكومات، والاقتتال الداخلي، فيضربون المثل علينا بحالنا ليخوفوا الغرب وشعوبهم من الإسلام (وإن كان الإسلام بريئًا من تخلفنا، ولكن نبقى دولًا إسلامية)، لذا فحقوق الشعوب يجب أن تكون نقطة انطلاق لهذا التحرك المأمول منه تحرك للماء الراكد في العالم الإسلامي ووضعه في موقعه الريادي الطبيعي.

الانطلاق من الداخل والتواكل على مركز الثقل

لانطلاقة قوية وديمومة متصاعدة یجب الارتكاز علی مركز الثقل وقاعدة صلبة، عقود طويلة والشعوب المسلمة تمر في مآزق واحدة تلو الأخری، تعيش في الحروب، وِلدت ٲجيال مسلمة في الصراعات اللامنتهية، كبروا وهم يرون الخذلان مرارًا، خذلتهم دولهم وحكامهم، توالت ٲجيال وهم يعیشون الهزائم، تُحتل ٲراضیهم، یُشردون ويُقتلون، یرون ٲنفسهم في حضيض التخلف في جميع المجالات، دٲب حكام المسلمین منذ قرن وٲكثر علی كسر شعوبهم وسلب حقوقهم وقمعهم، كل هذا جعل ثقة المسلمین بٲنفسهم تهتز، بل تمزق، لذا ففي بادئ الٲمر نحتاج إلی التصالح مع الذات وترميم ثقتنا بٲنفسنا وفیما بیننا، وترسیخ قناعات بضرورة ریادة المسلمین للمجتمع الإنساني، لنكون قاعدة صلبة لٲية انطلاقة بٲي ٳطار كان، تحالفًا كان ٲم ٲعمق منه، ولهذا الٲمر ٲدوات يجب توافرها ويحتاج إلى نفس طويل وصبر محكم، هذا يتوافق مع القاعدة الربانية (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، ويتقاطع مع القاعدة العلمية للتغيير (إن التغيير من الداخل إلى الخارج، ومن قاعدة الهرم إلى رأسه أقوم، وإن كان بطيئًا نسبيًا)، ولأن زعزعة ثقتنا بٲنفسنا نتاج زمن طويل وعمل كثیر؛ لا ينبغي ٲن نعتقد بٲن ٳصلاحه يحتاج إلی خطوة واحدة ٲو مدة قصیرة، فالقاعدة الرائجة ٲن الهدم ٲسهل من البناء والٳفساد ٲهون من الٳصلاح، لكن ٲلف میل يحتاج إلى البدء بالخطوة الٲولی، بشرط توافر النیات الصادقة والتخطیط المحكم والخطوات الثابتة والعمل الدؤوب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد