قد لا يختلف اثنان أن الثروة البشرية هي أغنى الثروات على الإطلاق، لكن هذا المعطى لا يمكن إسقاطه على دول العالم الثالث، فهي تعتبر الإنسان مجرد رقم يجب استغلاله والتضحية به كما يحدث في لعبة الشطرنج، ومن هذه الدول المغرب الذي «يحتفل» بعيد الشغل وهو موضوعنا الأساسي.

قد يفتح أي مواطن التلفاز فيشاهد في صدر النشرات الإخبارية عناوين عريضة من قبيل «الطبقة الشغيلة تحتفل بعيد الشغل»، يتفاجأ الكادح من هذا العنوان المنمق ويتعجب أنه لا يعرف من هذا اليوم إلا أنه يوم راحة ولا يرى داعٍ للاحتفال به، هو يعلم جيدًا أنها مجرد خرجات للنقابات لرفع العتب الإعلامي عنها رغم أنها تعد أول المتآمرين على حقوق هذه الطبقة المكدرة عيشتها.

لو قمنا بجرد بسيط للزيادات في أسعار المواد الغذائية والنقل وقمنا بمقارنتها بحجم الزيادات في الأجور، لا يملك المرء هنا إلا أن يصاب بالدوار بسبب هذا التفاوت الصارخ، حتى السكن إيجار شقة متوسطة الجودة يصل إلى 2000 درهم بينما الحد الأدنى للأجور لا يتعدى 2500 درهم، هذا حال أغلب الطبقة الشغيلة تدور في نفس الدوامة ولا ممثل حقيقي يتحدث باسمهم، أما النقابات فهي ممثل وهمي ولا تعبر عن معاناتهم واستغلت موقعها لخدمة الأجندات السياسية.

صحيح أن المغرب قام في السنوات الأخيرة بجلب عدة استثمارات خارجية لكن لم يتم وضع اي اعتبار للطبقة العاملة التي تركت ضحية استغلال لمصاصي الدماء من شركات تربح الملايير وتمنح الفتات لعامل يعمل من الصباح إلى المساء، في الحقيقة أن هذه الدولة عملت كوسيط للطبقة الرأسمالية، سلمتهم الطبقة الشغيلة كما يسلم العبيد، كذلك يفعل السماسرة.

لا حل لهذه الطبقة التي لا أم لها إلا بتنظيم نفسها بعيدًا عن هذه النقابات المسيسة، الحقوق تنتزع ولا تعطى، كما حدث بفرنسا مع السترات الصفراء، مجرد أن أعلن ماكرون عن الزيادة في أسعار الوقود واقتطاعات ضريبية تمس الطبقة العاملة والمتوسطة، خرجت هذه الحركة بقوة لتحتج على هذه الزيادات، وإن كنا نتحفظ على نهجها للعنف أحيانًا فلا بد من الإقرار أنها أرغمت الرئيس الفرنسي على التراجع عن إجراءاته ضد مصالحهم، المغاربة ليسوا أحسن حالاً من الفرنسيين، فالمغرب يحتل المرتبة 122 في الدخل الفردي السنوي، بينما تحتل فرنسا الرتبة 23، ما يهمنا هنا هو الطبقة الكادحة فهي مشغولة في قوت يومها المُر بأجور زهيدة، مقابل تكديس الثروات على حسابهم من طرف مشغليهم الرأسماليين عديمي الرحمة. 

ثم إننا إذا نظرنا إلى المغرب بصفة عامة، فسنجد أن كل الأحزاب أو النقابات أو الاتحاد العام لمقاولات المغرب التي تربطها علاقة بالطبقة العاملة، نجد أنها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالدولة وكلها تنهل من نفس المعين، ما يعني أن أي مطالبة بالحقوق العمالية سيجعل هذه الطبقة تصطدم بالدولة بشكل غير مباشر، لكن هذا ليس هو المشكل الأساسي، المشكل هو حالة الجمود التي تعاني منها هذه الطبقة، والمساهم الأساسي في هذا هو عدم الوعي التام بالحقوق، أو الخوف من الفصل من العمل، لكن نعلم أن الذئب لا يأكل من الغنم إلا القاصية، والخروج في وقت واحد وجماعي لا تضاهيه أي قوة، فالحل في تشكيل جسم عمالي يتحدث بلسان هذه الطبقة المسحوقة بعيدًا عن خدمة الأجندات السياسية. 

من أقوال كارل ماركس الشهيرة: «الفقر لا يصنع ثورة، إنما وعي الفقير هو الذي يصنع الثورة، والطاغية مهمته أن يجعلك فقيرًا، وشيخ الطاغية مهمته أن يجعل وعيك غائبًا»، وهنا يهمنا الشيخ الذي يبقي الوعي غائبًا، لأنه يستفيذ من الكعكة، فمن يبقي وعينا غائبًا هو نفسه من من يقتسم عرق جبين الكادح مع أرباب الشركات عبر الجباية، فإنها تضمن له أجرًا سمينًا من الدولة وتقاعدًا مريحًا، فهذا هو الشيخ الذي يقصده ماركس، فالشيخ مستفيد ويستفيد من عرق جبين الآخر، فلا حل إلا بأن تشد الطبقات العمالية عضدها ببعض وتقوم قومة رجل واحد لتقول بكل قوة في الشارع «لمن الملك اليوم».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد