المكان: مكتب جمال عبد الناصر في مقر مجلس قيادة الثورة بكوبري القبة.

الزمان: فبراير عام 1954 بعد قيام الثورة بعام ونصف.
عبد الناصر: النهاردة ايه؟
البغدادي: 22 فبراير
عبد الناصر: 22 مارس مش هيبقى فيه محمد نجيب.
البغدادي: ازاي؟
عبد الناصر: نخلص منه
صلاح سالم: مش ممكن أوافق على كدة لأن إبعاد محمد نجيب معناه ضياع الاتحاد مع السودان إلى الأبد لأن السودانيين ينظرون إلى نجيب على أنه واحد منهم.

لم يستمع جمال عبد الناصر إلى صلاح سالم، أكمل خطته وأشعل أزمة مارس، ولكن فوجئ بردة فعل شعب كان يحب اللواء محمد نجيب ويرى فيه رمز الثورة، قطاعات كبيرة من الجيش والضباط الأحرار بقيادة خالد محي الدين تصدوا لفكرة التخلص من نجيب والإخوان المسلمين وقفوا بجوار نجيب، سلطة عبد القادر عودة المحامي الإخواني على الجماهير كانت أقوى من سلطة عبد الناصر وأغلب أعضاء مجلس قيادة الثورة آنذاك.

لم يجد عبد الناصر حلًّا سوى الانصياع لرغبة الجماهير وإعادة محمد نجيب، ولكنه كان قد اتخذ قرارًا مسبقًا بالانتقام من نجيب وممن عوانه من الجيش والإخوان، حتى الشعب لم يسلم من انتقامه، أقصى كل الضباط المؤيدين لنجيب وحوكم كل من طالب بعودة نجيب من داخل الجيش، أعدّ مسرحية هزلية تدعى حادثة المنشية أكتوبر عام 1954 ظهر فيها كالبطل الذي لا يقهر، وأن الإخوان المسلمين هي الجماعة الإرهابية التي تعادي الشعب، وحلّ جماعة الإخوان وأعدم عبد القادر عودة عقابًا على جرم ظاهر لم يرتكبه، وجريمة خفية في نفسه هي تأجيل وصول عبد الناصر للحكم الديكتاتوري الذي يريد عقاب الشعب، لم يسمح لصوت أن يعلو فوق صوته، أطلق العنان لإعلامه الكاذب أو ما يسمى حينها الإرشاد القومي ليرشد قوم مصر أن هناك ملائكة على صورة بشر يتوسطهم إله اسمه عبد الناصر.
نوفمبر 1954 كان موعد التخلص من محمد نجيب، نعم عندما سقط من كانوا يؤيدونه سقط محمد نجيب بدون أدنى مقاومة، لم يستطع أن يقاوم كورقة جافة في أواخر الخريف، وظلت الإذاعة والصحف تحكي بطولة الضباط الأحرار بزعامة وقيادة الزعيم الملهم جمال عبد الناصر.

في منظر آخر للجنوب قليلًا السودان يحصل على حق تقرير المصير سواء الاندماج مع مصر أو الانفصال عنها في عام 53، مع وجود فترة حكم انتقالية يتم انتخاب مؤسسات الحكم السودانية.
محمد نجيب رجل نصفه مصري ونصفه الآخر سوداني، زعيم الثورة في مصر يجد ضالته في إسماعيل الأزهري رئيس حزب الاتحاد والمؤيد الأول لفكرة الوحدة مع القطر المصري.
انتخابات البرلمان عام 53 في السودان ينجح في أن يسيطر عليها المصريون بفضل فوز حزب الاتحاد الذي يرأسه إسماعيل الأزهري بالأغلبية، ووصول إسماعيل الأزهري إلى رئاسة الحكومة من داخل البرلمان.
وبات كل شيء وكانت الوحدة في طريقها للظهور، ولكن في أواخر عام 1954 وقف إسماعيل الأزهري رجل الدولة المصرية داخل السودان ورئيس الحكومة وزعيم حزب الاتحاد مع مصر يطالب باستقلال السودان عن مصر.
نعم إنها الضربة القاضية قال إسماعيل الأزهري أنه تربى من خير مصر ولكن انظروا يا شعب السودان ماذا فعل الضباط بالرئيس محمد نجيب انظروا يا أبناء السودان إلى ما يحدث للإخوان المسلمين من قتل وتعذيب على أيدي العسكر، هل يريد السودانيون أن يعلقوا على المشانق؟ هل يريد شعب السودان أن يتحكم في مصيره مجموعة من الظالمين؟
في عام 1955 اختار الشعب السوداني الانفصال عن مصر والاستقلال التام، فقدت مصر عمقها الإستراتيجي داخل إفريقيا وفقدت معها ملايين الأفدنة الصالحة للزراعة والثروات الطبيعية في السودان، وفقدت الاقتراب أكثر من منابع النيل.
فقدت الفرصة في إقامة وحدة عربية وتركت السودان للتناحر والتقاسم حتى أصبح دوليات الآن.

وهنا يجب أن نرى أن التعامل دائمًا من جانب الفكر العسكري على ارتكاب أفظع الجرائم وتصدير صورة جيدة والاعتقاد أن لا أحد يرى لأنك تتحكم في الإعلام، لا صوت يعلو فوق صوتك، وتسير البرلمان بمشيئتك حيث لا يعارضك أحد، وتسيطر على القضاء فلا تجد من يردعك. وتصدير خطاب واحد للشعب قد ينجح في مدة زمنية قليلة وداخل حدود سلطاتك فقط، ولكن هذا لا ينطبق على العالم، سيدي انتبه يا سيدي إن العالم يرى ويسمع جيدًا، العالم ينظر إلينا بنظرة ممزوجة بين الاحتقار لممارستك القمعية ضد من يطالبون بالحرية والإشفاق على حال هذا الشعب، العالم يرى تدهور اقتصادك ويرى فشل مشروعاتك ورؤيك وخططك
الديمقراطية التي تتغنى بها، ونغمة محاربة الإرهاب التي تتسول بها، يعلم العالم جيدًا أنك كذاب سيدي الرئيس.
العالم يرى أنك قاتل سيدي، لا تعتقد أن من يمد يده ليصافحك لا يرى الدم فيها، ولكن من يساندونك فرحون بما تمارسه من دمار لهذا البلد، دعني أخبرك سيدي أنك وفرت العناء على كثير من المتآمرين الذين تتحدث عنهم دائمًا فقد علموا منذ وصلك إلى الحكم أنهم لم يعودوا في حاجة إلى هذه المؤامرات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد