لم تكن تلك الخطوات الواثقة وهي تعبر الطريق إلى سفارة السعودية تدرك أنها تسير بكل هدوء وسكينة إلى مصيرها المحتوم، ذلك المصير الذي أعادنا مرة أخرى إلى سجلات الموتى والعابرين لنتصفح تلك الأقلام التي كانت تخط الليل المتجهم بمداد الحق المستنير.

جمال خاشقجي لم يكن الأول ولن يكون آخر القائمة التي تغتال من خلالها الحقائق ويقمع الإنسان وتنتهك الحريات والفضائل والأخلاق، اليوم أصبح مؤكدًا أن هذا العالم لم يعد آمنًا، ولم يعد قادرًا على تحمل مزيد من الارتباك والانتهاك، وفي كل مرة نثبت أننا نعيش أزمة أخلاقية وإنسانية خانقة قد تمضي بنا إلى مصير لا يختلف كثيرًا على ما واجهه العالم إبان الحرب العالمية الثانية.

اغتيال جمال والذي حاز على رد فعل قوي وعنيف من طرف وسائل الإعلام والنخبة في الغرب أو دعني استبدل لفظ حاز بانتصار قضية جمال كونها انتقلت الى مركزية الاهتمام النخبوي في الغرب من وسائل إعلام وسياسيين وكتاب وصحافيين، وهذا يعيدنا مرة أخرى إلى انتقائية الغرب وتصنيفها حتى للضحايا انطلاقا من خلفيات كولونيالية ثقافية.

والسؤال الذي يطرح نفسه ماذا لو لم يكن جمال خاشقجي كاتبًا في الواشنطن بوست، ولم يكن معارضًا ليبراليا للنظام السعودي؟ هل كان الغرب سيهتم لمصيره ويضغط بهذا الشكل العنيف على حلفاء تاريخيين كما يفعل اليوم مع آل سعود، شخصيًا لا أعتقد ذلك، ولا يبدو سرًا أن السجون والمعتقلات مليئة بالعلماء والأساتذة والكتاب الصحافيين الذين يعارضون بشكل شرس نظام آل سعود، ولكنهم لا يخدمون المصالح الغربية، ولا يتفقون لا فكريًا ولا ثقافيًا مع الأمريكيين بشكل خاص، ولهذا لا ينظر إلى الفزعة الترامبية في ملف اغتيال خاشقجي من زاوية إنسانية وأخلاقية، ولكنه رد فعل تمليه الضرورة السياسية والإبتزاز المالي والمصلحة الوطنية في الـ(و.أ.م) والبديهي أن ولاة أمر المسلمين في السعودية لا يستطيعون النوم ليلًا مع زوجاتهم دون موافقة الكفيل الأمريكي فما بالك بعملية تصفية جسدية بهذه الخطورة والحساسية.

كان اغتيالًا رهيبًا

هل هي عودة إلى الجاهلية الأولى؟ وحتى هذا السؤال لا يبدو حازمًا ولا صادقًا؛ فالعرب في الجاهلية لم يعرف عنهم الغدر ولا الطعن في الظهر، ولم يعرف عنهم نقض العهود والمواثيق، إلا ما كان نادرًا وفرديًا، بل إن الجاهليين كثيرًا ما عرفوا بالحمية ونصرة المتعثر والضعيف اللاجئ، فمن أين جاء السعوديون بكل هذه الخسة في قتل وذبح معارضيهم على ملأ من الناس وبطريقة أقل ما يقال عنها إنها درس نموذجي في نشر الإرهاب والتطرف الذي سعت هذه الأخيرة جاهدة للتخلص من تهمته منذ أحداث برجي التجارة العالميتين وها هي اليوم تثبته بكل غباء وسفور؟

ورغم ذلك لابد أن هناك شواهد في التاريخ على تصفية والتنكيل بالصحافيين والكتاب والمتنورين ولعلنا نعود الى البابوية الكاثوليكية عندما كانت تعيش أوروبا على الهامش وصراع محموم بين الهيمنة الكنسية والعقل المتمرد على  قيودها ومما يؤرخ ما قام به البابا بيوس الخامس وغريغوار الثالث عشر من ملاحقات وتصفيات جسدية تجاه الصحافيين وكل من يعارض الكنيسة الكاثوليكية ويسعى إلى تحرير الوعي وتنوير العقل الأوربي.

ولعلنا نستطيع تفسير ردود الفعل الحازمة والعنيفة من طرف النخب في أوروبا وانتصارهم  وتعاطفهم اللامشروط لقضايا حرية التعبير والتفكير في دول العالم الثالث، ولا شك أنه تعاطف وجداني صادق وله أبعاد إنسانية، فالذاكرة الأوروبية لا زالت تستذكر إرهاصات أقلامها التي كسرت وعقولها التي نصبت لها المشانق، ذاكرة مثخنة بالآلام والعذابات ومن هنا نستطيع فهم رد الفعل الإيجابي والصريح من طرف الفرنسيين بالتنسيق مع ألمانيا وهولندا والذين علقوا الزيارات السياسية إلى مملكة الخوف والموت وهو موقف مبدئي لا يمكن التقايض عليه.

مملكة الخوف باقية وتتمدد

ظهر للوهلة الأولى أن تنصيب العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز قفزة نوعية للأمام ومحاولة جادة لضخ دماء شابة وجديدة وذات نفس إصلاحي، وبذلك اعتقد الجميع أن السعودية تشق خطوات عملاقة نحو الانعتاق والإفتاح وتجديد الخطاب السياسي والديني بما يتوافق مع القيادة الجديدة والمرحلة المشرقة، وعنونت يومها وكالة رويترز مقال حول تنصيب الأمير الإصلاحي محمد بن سلمان ووصفت القرار بالجريء والشجاع وأثنت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي كثيرًا على هذه الخطوة.

ولكن الشاب لم يمهل العالم كثيرًا حتى تجسد في صورة الحاكم الشرس والعنيف والأهوج فبدأ مبكرًا في تصفية الخصوم وإرهاب المعارضين وملء السجون، ولم يستثن الشاب حتى الأمراء والأصدقاء الذين دعموه من قريب، بل مضى الى إخراس صوت المؤسسة الدينية التي استمد منها أجداده وأعمامه الشرعية والقبول بين العشائر والقبائل، هي مرحلة مظلمة وقاتمة على السعوديين، ولا يعتقد أنها ستنجلي إلا بزوال كل إرث آل سعود الذي مثل محمد سلمان صورتهم الأكثر وحشية كما مثل دونالد ترامب صورة الولايات المتحدة الأكثر قبحًا وتبلدًا.

محمد بن سلمان اليوم يكبل دولة ومجتمعًا وتاريخًا طويلًا لأسرته، ويجعل نفسه حليفًا ومدعومًا من الخارج أكثر من الداخل الذي يظهر معه في خصومة لدودة، من سيضمن تصرفاته بعد أن أمر بذبح وتمزيق جثة كاتب وصحافي ومواطن سعودي في سفارة على أراض أجنبية سادية تفوقت على سادية (داعش) التي لا أظنها إلا سعيدة بتوفر من يقاسمها هذه البربرية السوداء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

آرااء
عرض التعليقات
تحميل المزيد